من مقهىً صغيرٍ على جانبِ هذا الطريقِ المزدحمِ، أكتبُ إليك.

أعملُ هنا بعيداً عن أحلامي، لكنّني أحببتُ القهوةَ حتى أصبحتُ أصنعُها كلَّ يومٍ للناسِ. لا أذكرُ عددَ الأكوابِ التي قدّمتُها، لكنّني أذكرُ أنّني كنتُ أحسّنُ مزاجَهم بطعمتِها، وأضعُ فيها شيئاً من يدي وأفكاري المزدحمةِ، مثلَ هذا الشارعِ تماماً.

أصنعُ الضحكَ للناسِ، بينما لا أحدَ يعرفُ كيف يصنعُ ضحكتي. حبيبتي بعيدةٌ، وأملي يجلسُ بعيداً عنّي، حزيناً، وأنا لا أملكُ سوى أن أنظرَ إليه.

الصيفُ يقتربُ من نهايتِه، وأنا أنتظرُ الشتاءَ بشيءٍ من الحسرةِ. أخطائي تتكرّرُ، وأنا لا أتعلّمُ، وشوارعُ المدينةِ أصبحتْ مملّةً، وكلُّ يومٍ يشبهُ اليومَ الذي قبلَه.

كنتُ أريدُ أن أكونَ قريباً منها، أن أقبّلَها وأخبرَها بكلِّ ما عجزتُ عن قولِه، لكنّ المسافةَ بيننا أكبرُ من قدرتي على الوصولِ.

ومع ذلك، ما زلتُ هنا… أستيقظُ كلَّ صباحٍ، أطحنُ البنَّ، وأصنعُ القهوةَ للغرباءِ. أعطيهم الدفءَ في أكوابٍ صغيرةٍ، بينما أبحثُ أنا عن دفءٍ فقدتُه منذ زمنٍ.

وربّما هذه هي حكايتي كلُّها؛
أصنعُ للناسِ لحظاتٍ جميلةً، وأعودُ في نهايةِ يومي إلى وحدتي.

لذلك، إذا بحثتم عنّي يوماً ولم تجدوني، لا تبحثوا كثيراً… ستجدونني هنا، بين رائحةِ البنِّ وأصواتِ الشارعِ، أحاولُ أن أصنعَ من تعبي شيئاً يشبهُ الحياةَ.

أنا هنا…
أصنعُ قهوتَكم، وأخبّئُ في كلِّ فنجانٍ شيئاً من قلبي، لعلّ أحداً، ولو بالصدفةِ، يتذوّقُ مرارةَ وحدتي.