الأثنين 22 نيسان 2024 | 1:17 مساءً بتوقيت دمشق
أضواء المدينة للشعر ودراساته

نازك الملائكة: نزوع الحديث وسطوة القديم

نازك الملائكة: نزوع الحديث وسطوة القديم
الشاعرة 1958
  • الأثنين 12 حزيران 2023

يندر أن يثور خلاف حول مكانة الشاعرة العراقية الراحلة نازك الملائكة (1923-2007)، خلال العقود الأبكر من الحركة الشعرية الحداثية التي ستُصنّف تحت تسمية «الشعر الحرّ» بصفة عامّة، وكذلك ضمن الأدوار والتأثيرات الأضيق للشاعرات العربيات النساء بصفة خاصّة.
وسواء اتفق المرء مع الملائكة في التأكيد بأنّ قصيدتها «الكوليرا»، التي نُشرت سنة 1947، هي أوّل نموذج في الشعر الحرّ؛ أو اختلف معها، ومال إلى ترجيح الأولوية لقصيدة بدر شاكر السياب «هل كان حبّاً»، المنشورة في السنة ذاتها؛ فإنّ مناخات التجديد الخمسينية، التي كانت غائمة مضطربة بقدر تلهفّها على إحراز قفزات دراماتيكية، سمحت للملائكة باستسهال إطلاق تسمية «الشعر الحرّ» على قصيدة تحرّرت في كثير أو قليل من عمود الخليل بن أحمد؛ ولكنها من جانب آخر ظلّت مُلزَمة وملتزمة بـ «عمود» تفعيلي ليس أقلّ نسقية، وبنظام في التقفية ليس أقلّ جموداً إذا لم يكن أقلّ ديناميكية في رتابة توزيعه. أكثر من ذلك، وجدت الملائكة أنّ هذا النظام العروضي الجديد لن يكون مرتاحاً إلا في البحور التي تقوم على تفعيلة متماثلة (الكامل، الرمل، الهزج، الرجز، المتقارب، والوافر)، الأمر الذي عنى عملياً استبعاد البحور الأخرى!
وقد تعدّد الشعراء العرب والأجانب الذين تأثرت بهم الملائكة، وانعكست في قصائدها مقادير غير ضئيلة من رؤاهم ومقارباتهم الشعرية وبعض مناخاتهم أيضاً؛ بينهم أمثال عمر الخيام وإيليا أبو ماضي وجون كيتس وإدغار ألن بو وجون غراي. وقد يكون هذا الموشور العريض من مصادر التأثر سبيلاً مبدئياً للاستنتاج بأنّ موقف الملائكة من القديم، العربي والأجنبي سواء بسواء، لم يكن قاطعاً أو راديكالياً؛ الأمر الذي تبدى مراراً وتكراراً في قصائدها كما في تنظيراتها للشعر. وهذه السطور ترجّح تعلّقها بالتقليدي أكثر من انضوائها في الحديث، وعزوفها تباعاً عن الانخراط في تجارب حداثية على صعيد شعرها هي ذاتها، فضلاً عن نزوعها إلى رفض حركات التطوير والتجديد ذات الطابع القطعي مع الموروث.
وكان الشاعر والناقد العراقي سامي مهدى قد اقترح إحصائية، طريفة ولكنها لا تخلو من دلالات نصّية، حول أرجحية الشكل العروضي التقليدي، أو «طريقة الخليل» كما كانت الملائكة تسميه؛ بالمقارنة مع شكل الشعر الحرّ في كامل نتاجها الشعري. وخلص مهدي إلى أنّ حصيلة ما نشرته الملائكة من الشعر الحر يبلغ 53 قصيدة، من مجموع 218 قصيدة نشرتها في دواوينها، أي ما يساوي أقلّ من ربع نتاجها.
هذه معطيات تخصّ موازين الشكل، غنيّ عن القول، ولها دلالاتها التي لا يصحّ أن تُنكر؛ لكنها، من جانب آخر لعله أكثر وجاهة وأهمية، لا تنتقص من القيمة الفنية لشعر الملائكة في الشكلين معاً، حتى إذا جاز الافتراض بأنّ خيار الشعر الحرّ، الذي بشّرت به وأصرّت على أنها صاحبة السبق في اقتراحه؛ توجّب أن يمنحها حرية تعبيرية أوسع نطاقاً، ومرونة في استخدام التفاعيل وتوظيفها.
وقد يكون من الإنصاف الاستخلاص بأنّ شعر الملائكة لعب دوراً ريادياً واضحاً ولا يُنكر، خلال خمسينيات القرن المنصرم بصفة خاصة، لكنه ظلّ في العمق أكثر خضوعاً إلى سطوة القديم بالرغم من نزوع حداثي بدا جارفاً وعاصفاً في البدء، ثم سكن تدريجياً واستقرّ على انحياز إلى القديم. مقدار مماثل من الإنصاف يستوجب تثمين تنظيرات الملائكة النقدية حول الشعر والشعرية في إسار المعادلة الثنائية ذاتها، التي أبقت الشاعرة موزّعة بين نزوع الحديث وسطوة القديم؛ إذا لم يرجّح المرء ركونها الختامي إلى الاستقطاب الثاني مقابل عزوفها عن الأوّل.
ولادة حركة الشعر الحرّ كانت، في نظرها، مرتبطة بتطلّع الإنسان العربي المعاصر إلى الحرّية، وبالتالي إلى الأوزان الحرّة؛ وأنها أيضاً نزعة استقلال شخصي وتنمية للذات الشاعرة، ورفض لرتابة الشطرين، وإعلاء من شأن المضامين. لن يطول الوقت، مع ذلك، قبل أن تتراجع الملائكة عن قسط غير قليل من هذه الفرضيات، وسواها. بل بدت أقرب إلى إلقاء القشة التي تقصم ظهر البعير حين كتبت في مقدمة «شجرة القمر»، 1968: «تيار الشعر الحرّ سيتوقف في يوم غير بعيد وسيرجع الشعراء إلى الأوزان الشطرية بعد أن خاضوا في الخروج عليها والاستهانة بها».
غنيّ عن القول، إنّ هذا ليس التنظير النقدي الذي كان يُؤمل من شاعرة رائدة سبق لها أن اعتبرت الشعر الحرّ «دعوة مضمونية ترفض القشور»، وجزمت بأنّ الشعر العربي (سنة 1949!) إنما «يقف على حافة تطوّر جارف عاصف لن يُبقي من الأساليب القديمة شيئاً، فالأوزان والقوافي والأساليب والمذاهب ستتزعزع من قواعدها جميعاً».
وقد لا يختلف كثيرون في اعتبار تنظير الملائكة جزءاً من حقبة قصيرة ما بعد استعمارية، امتزجت في سياقاتها عناصر كثيرة تاريخية وسياسية واجتماعية وفكرية وإيديولوجية وجمالية، تكفلت في نهاية المطاف بإطلاق شكلَيْ الشعر الحرّ وقصيدة النثر؛ من دون أن تجبّ شكل العمود، لأنّ أمثال محمد مهدي الجواهري وبدوي الجبل وسعيد عقل مكثوا حَمَلة قِيَم شعرية راسخة كانت سليلة الماضي وبنت المستقبل، في آن مــعاً.
صبحي حديدي - القدس العربي