السبت 24 شباط 2024 | 11:18 صباحاً بتوقيت دمشق
بيسان عدوان

أنا امرأةٌ بسيطة، يا الله!

أنا امرأةٌ بسيطة، يا الله!
Friedensreich Hundertwasser (1928-2000) فنان من النمسا يدعى فريدنسرايش هوندرتفاسر
  • الأربعاء 7 حزيران 2023

صباح الخير يا عزيزي
كعادةِ النّساءِ البسيطاتِ بعدَ ليالٍ ماطرة يسرنَ في دهشةِ الحكايةِ، تصيرُ الكتابةُ على وقعِ زخّاتِ المطرِ كعجين الملائكة تُبصرك دونما لغة، مَنْ أنتَ يا ابن أنكيدو ولماذا تجلسُ في ردهةِ العقلِ وتحفزُ اللّغةَ على المجيء، كيف استطعت أنْ تُبحرَ في نهرِ الكلامِ وتنظمَ نثراً عصيّاً لسنواتٍ كان غيابه قسريّاً؟ كيفَ تُحضرني كلُّ هذه الكلماتِ حين أسطّرُ لكَ رسائلي.
أنتَ هُناك.. أنتَ هُنا.. أنا هُنا.. أنا هُناك، لم يعُد المكان كما كانَ. صارت البلادُ منافياً تلبسُ الانتظار إلى عودةٍ لا نعرفُ إلى أين! لم يعُد للانتظارِ حضورهُ البهي ولا الوقت.
كيف التقينا في منفى "لا هُنا.. ولا هُناك..".
لم يعُد للمنفى سطوتهُ كما البلاد التي غابت مع الشّمسِ.
ها هو الشّتاءُ يُعلنُ عن قدومِهِ، واسطنبول تلكَ المدينةُ الظّالمةُ تغرقُ في مطرِها اليومي معلنةً بدء خوفٍ جديدٍ يطلّ مِن نافذتي الزّجاجية، ونزار قباني يُصيبني بالخوفِ كلّما اشتدّ المطرُ وأنا لا أزالُ في المنفى وحيدة.
أنا امرأةٌ بسيطةٌ، يا الله! امرأةٌ بسيطة، أخافُ مِن صمتِ الشّارعِ بعد ليلةِ مطرٍ عنيفٍ، وأخافُ مِن سكوتِ الغِربان وهي ترقبُ المدينةَ الخاويةَ مِن الدّفء، وأخافُ أنْ أضلَّ الطّريقَ حين لا يعملُ محرّك الخرائط على غوغل، وأخافُ مِن الجيران حين يتلصّصونَ مِن خلفِ نوافذِهم المغلقة.
كلّما بدأ صوتُ الزّخاتِ يعلو تشدو "جاهدة وهبه": "أخافُ أنْ تمطرَ الدّنيا ولست معي، فمنذ رحت وعندي عقدة المطر". أعود مع صوتها إلى البلادِ حين اعترفت لي أوّل مرة عبر الهاتف "أحبك".
أبدأ في صنعِ قهوتي الصّباحية وأنا أسمعُ وحدي صوتكَ حين أخبرتني يوماً "والآن أجلس والأمطار تجلدني على ذراعي، على وجهي، على ظهري، فمن يدافعُ عنّي يا مسافرة مثل اليمام بين العينِ والبصرِ، وكيف أمحوك مِن أوراقِ ذاكرتي وأنت في القلبِ مثل النّقشِ في الحجرِ، يا مَن تسكنينَ دمي إنْ كنت في الصّينِ أو إنْ كنت في القمر".
منذُ أيامٍ جلستُ في مقهى يطلُّ على كلِّ اسطنبول وبناياتها القديمةِ المكسوةِ بالقرميدِ وتحتَ قدميه يرقدُ البوسفور بزرقتهِ الباهتة، أخبرني صديقي اليمني أنّه مقهى نزار حين كان يعملُ ملحقاً ثقافياً في تركيا، يأتي كلَّ مساء يكتبُ لحبيبته بلقيس عن المطر.
يقولون لا تأمن النّساء ولا الطّقس في اسطنبول، كلاهما يشبه تلك الجبال القاسية الموحشة، كما التّاريخ الذي يرقبُ قصص العاشقينَ الذينَ مرّوا صدفةً في المتنِ فأزهرَ الهامشُ بعضاً مِن الوقتِ.
أنا امرأةٌ بسيطةٌ، يا الله! أخافُ أنْ ينساني حبيبي، ويطويني في ذاكرته البعيدة وينسى اسمي ذات يومٍ لأنّي أطلتُ الغياب. لا أخشى الموتَ ولا أقبيةَ السّجنِ، ولا محاكمَ التّفتيشِ التي تجتاح بلادنا، لكنّي أخافُ مِن الانتظارِ أمامَ شاشةِ هاتفي في انتظارِ رسالة مِن حبيبٍ يخبرني بها "اشتقتلك" ولا تأتي! أخافُ مِن الانتظارِ في صالاتِ المطاراتِ، وفي مدنِ التّرحيلِ، وفي غُرفِ المستشفى من توقّفِ الإنترنت في بيتِ أمّي فيهجرني الدّفء، ومن طوابيرِ اللّجوءِ على نوافذِ السّفاراتِ الغربيةِ، وأخافُ مِن البحرِ لأنّه مجهولٌ تماماً كما المنفى لا ينتهي.
في زمنِ الجائحة تتغيرُ ملامحُ المكانِ سريعاً، تتغيرُ الملامحُ والوجوه، تغلقُ أبواباً.. وتفتحُ أبواباً أُخرى، وعوالمَ أخرى. سريعةٌ هي المدنُ تتبدلُ معالمها حينَ يهجرُها النّاسُ، ويقطنُها الوباءُ، وخلفَ أقنعةٍ قماشيةٍ يختبئ الخوفُ في أوصالنا.
كنتُ أرقبُ المطرَ مِن عُزلتي القسرية، وأسافرُ إلى البعيدِ حيثُ البلادِ الأولى التي أنجبتني وحملتُ جيناتها في دمي وانتسبتُ الى مسقطِ قلبها وصارَ بعضٌ منها اسمي الذي أحملهُ في روحي وقسمات وجهي وجواز سفري. منذ ذلك الشّتاء وأنا مشغولةٌ بإعادةِ ترتيبِ المساءاتِ والخيباتِ بما يليقُ بالمنافي التي وطأتها. أتذكّرُ حين أخبرتكَ كيفَ تعشقُ لاجئة تملأ حقيبتها بمفاتيحِ البيوتِ البعيدةِ، فلا مكانَ فيها لزجاجاتِ العطورِ ولا أدوات التّجميل، فقط أوراقُ الإقامةِ وجوازاتِ سفرٍ وملامحٍ مِن المنافي تخفيها خلف صورها الباهتة في تلفونها المحمولُ وبعض مِن رسائلك.
أُقلّبُ الصّور المحفوظة في هاتفي القديم، وأعلقُ بين مكانينِ.. ومدينتين.. هنا/ هناك... هناك/ هنا.. أتعرفُ أنّ الصّورَ القديمةَ تخدعنا كثيراً، توهمنا بأننا أحياء فيها، لم يعُد بمقدوري أنْ أراني.. لم أعد أعرفني.. مَنْ هذه التي أنظرُ إليها.
في بلادِ الشّتاء هذه، أشعرُ بالتيه؛ لم أعد تلكَ المرأةُ التي أعرفها، شيء ما ضاعَ.. فقدتُ جزءً منّي في هذا المنفى، فقدتُ البلادَ أيضاً، شيءٌ تسرّبَ مِن روحي.. الشّغفُ الذي كلُّ ما أملكهُ يهجرني، ولكن لا أعرفُ إلى أين!
لا أنا هُنا.. ولا أنا هُناك.. ولستُ عالقةً ما بينَ بين..
لا أعرفُ غير أنْ أبقى نائمةً حتى يأتيني حُلمٌ أو علامةٌ ما تُرشدني، أو ربما تدُلّني الملائكة على الخروج.
أحياناً، أفقدُ الرّغبةَ في الكلامِ... تهجرني اللّغةُ.. يصيرُ العالمُ دون صوتٍ.. عالمٌ يُشبهني وحسب!
هذا الخواءُ.. هذا التّيهُ الباردُ.. فراغٌ يملؤني.. أخافهُ بشدّةٍ ولا أقوى على الاحتماء منه في كلّ شيء..
لم أعد أحتملُ صوتَ أُمّي، لا أقوى على سماعِ حُزنها أو سماعِ الابتهالاتِ والأدعيةِ التي ترسلها لي كلَّ صباح.
ليس بوسعي العودة أو الذَّهاب إلى البلادِ أو الرّحيلِ إلى مكانٍ آخرَ أو البقاء في مكان ما.
الغيابُ هو ما أشعرُ به الآنَ.
في حضرةِ المنفى تصيرُ كلّ الذّكرياتِ وكلّ المروياتِ واللّغةِ سماء ملبّدةً بالغيومِ. تختبرُ كلَّ يومٍ قناعاتك، وتعيدُ قراءة تشيخوف وصموئيل بيكيت وكافكا كأنّها المرّة الأولى، تصيرُ البديهياتُ عصيّةً على الفهمِ أو الاحتمالِ، تتوقّفُ أمامَ شاشةِ هاتفك في حضرةِ الاحتمالِ، ندركُ ما لم نكُ ندركهُ من بديهياتٍ.
في خطبةِ الفلسطيني الأخيرِ لن أوقّعَ باسمي معاهدةَ الصُّلحِ بين القتيلِ وقاتله، لن أوقّعَ باسمي على بيعِ حفنةٍ مِن الشّوكِ حول حقولِ الذّرةِ، وأعرفُ أنّي أودّعُ آخرَ شمسٍ، وألتفُّ باسمي وأسقطُ في النّهرِ، أعرفُ أنّي أعودُ إلى قلبِ أٌمّي لتدخُلَ، يا سيّد البيض، عصرك..
ليس هناك تاريخٌ واحد، هناك تاريخٌ يُكتبُ في المتونِ وآخرُ مطمورٌ لا يتسعُ للمراوغةِ، تاريخُ أولئك المنفيينَ والمنسيينَ سُكان البلادِ الأصليينَ، تاريخٌ لا يعرفهُ المنتصرونَ والجالسونَ فوقَ العروشِ، تاريخُ أولئك الذينَ يقاومونَ الجائحة ويقطفونَ حبّاتِ القهوةِ في البلادِ الحارّةِ لنصنعَ منه ذاكرتنا الصّباحية، وعمال البناء الذين شيّدوا المعابد المهيبة لآلهةٍ مِن صنعِ البشرِ، لا يزالون يجلسونَ على أرصفةِ البردِ كلَّ نهارٍ ويحفرونَ تاريخاً لآلهةٍ في السّماءِ.
أنا امرأةٌ بسيطة، يا الله! لا أخافُ مِن القتلِ الواضحِ، لا أخافُ مِن جنودِ الاحتلالِ، ولا دباباتُ الميركافا، ولا طائراتُ اف 16 التي اعتدنا أنْ ننامَ على صوتها في غزّة؛ أخافُ التّفاصيلَ التي انفجرت في مرفأ بيروت، وأخافُ أشباحَ قتلانا في صبرا وشاتيلا التي تزورني كلَّ ليلةٍ منذُ أربعينَ عاماً، أخافُ أنْ أظلَّ محاصرةً بنصفِ ارتباطٍ ونصف ِانفصالِ، مشتاقةٌ إلى الماضي ومنبوذةٌ منه.
أنا امرأةٌ بسيطة، يا الله! أخافُ مِن أبناء أبرام حين يكتبونَ التّاريخَ باسمك.
هنا ينتصرُ الغُرباءُ على الملحِ، ويختلطُ البحرُ في الغيمِ، هنا ينتصرُ الغرباءُ على قشرةِ القمحِ فينا
ولن يبقى شيءٌ لنا في الزّمانِ الجديدِ.
في كتابهِ "الآلهة التي تفشلُ دائماً" يقولُ إدوارد سعيد: "إنّ صعوبةَ المنفى لا تكمنُ في الإجبارِ على العيشِ بعيداً عن الوطنِ، بل العيش مع أشياء كثيرة تذكّرك دائماً بأنّكَ منفي، وأنَّ وطنَكَ في الواقعِ ليس بعيداً عنك".