السبت 24 شباط 2024 | 11:7 صباحاً بتوقيت دمشق
رند قنب

دمعة مقضومة

دمعة مقضومة
جان كورو (1796-1875) فنان فرنسي
  • الأحد 7 أيار 2023

أحب المشي بجانب النهر لمشاهدة تحركه واهتزازه في أثناء العواصف ولأرى انعكاس لون السماء والغيوم على سطحه تارةً، وتارة أخرى تظهر الشمس لأجلس أحصي عدد بقع ملونة وغير ملونة، فأحس بأنها لوحة جديدة لفنان لـ"فان غوخ" تشبه ليلة النجوم زاهية بانطباعاتي، مرتقبةً اجتماع الطيور ولأفسد اجتماعهم بحصوة ارميها على رأسهم ضاحكةً، لأمشي بسرعة قبل أن يهجموا علي.
كما تتهافت الفراشات أمام الشمس لمنع ضوئها المشع فأنا القبر المضيء بضلوعٍ هشّة، لأكمل مساري بمراقبة الناس، كم أحبّ رؤية وجوهم في أثناء الإياب! كيف يمشون! كيف يضحكون! كيف كيف...
وهذا النهر يجمع المدينة بأسرها، وأنا اذهب لأستمتع برؤية مهرجان بشري مختلط، أراقب حركة المعانقة، هل هي صادقة؟ لأبدأ بإحصاء عدد ثوانٍ التي ظلّا متعانقين فيها، عشر دقائق!
لطالما تساءلت عن ماهية هذا الشعور فقلت كما قال ابن زيدون عن الولادة في رسالته: "تهافت الفراش في الشهب وسألتك عنه".
أعلم أنه من أجمل فنون اللقاء، ولكنني لا أعرف ماهيته وإحساسه.
اقتربت من مشتل الزهور وافترست النظر لألوانهم. لوّحت للبستاني الذي كان منشغلًا بتجذيب وقص الزهور السوداء، لأجمعها خلسةً، بل لربما سرقةً، بعد رحيله.
وبعدها انتقلت لإحصاء عدد الوريقات قائلة بنفسي: هما تعانقان، عندما تأتي سأعانقك وأقبّل رموشك، وأحصيها مستمتعةً برؤية انعكاسي في حدقة عينك، وأخبرك أنني أرى نفسي بعينك زهرة ملوّنة لا جنائزيّة.
أكمل المشهد بعد تخيلاتي غريبة وأراهما بعيدان، يطعمان عصافير بقايا كروسان ممزوج بالشوكولا، ثمَّ يمضيان بعيدًا لأرى الطيور تتغذى على الحب.. كم هي محظوظة!
أمضي بعيداً مكملةً طريقي لمشاهدة أشياء جديدة فأنا أهيم برؤية أكواب ورقية مرمية وراء السياج، أعدّها أيضًا، خمسة عشر كوبًا، حتّى هذه محظوظة لأنها قضت وقتًا برفقة الطيور السنونو والعشاق!
أجلس بجانب شجرة التوت الخضراء وأجمع وأضرب ذراتها، اصدح بملء حنجرتي ليراني أحد، لكنني أعترف، إنه يومٌ للعد والمشاهدة كبقية الأيام.
أحاول تتحسس عنقي فأراها مثقوبة! بلا حنجرة!
ألسع وجهي لأتأكد، أدسس يدي بحقيبتي لأخرج مرآة صغيرة أنظر بها، فأذهل بوجهٍ عبارة عن ضلوع متحركة!
لم أيأس، أضع حبة التوت بيدي، أجزئها لربما يأتي السنونو ويداعب باطن كفي، لربما تحط وتبدأ الأكل ومداعبة ضلوعي، لكنني أتذكر مقولة فحوها "أنَّ سنونو واحدة لا تصنع ربيعًا" فأجلس قرفصاء وحيدة، غير مرئية!
وأتخيل.. هل سيأتي لوركي؟! يائسة، يائسة جدًا.
الآن أبدأ بصناعة القبور لتحملني من ثقل العالم، فأجهز قبر جديد مزين بدمعة تقضمها السنونو، فالسنونو الواحدة لا تصنع الربيع بل تصنع قبورًا بدمعة مقضومة.