الخميس 29 تشرين الأول 2020 | 10:3 صباحاً بتوقيت دمشق
عمر الشيخ

حريق الشّعر السّوري

حريق الشّعر السّوري
عدي أتاسي، فنان سوري.
  • الثلاثاء 14 تموز 2020

تغرّد شاعرة عن أجواء المؤامرة الكيديّة ضدّ المنتج الجديد والأصوات الجديدة، فيردّ عليها كاتب مضى عليه سنوات وهو ينشر ويكتب كونه "مكرّس"؛ بأنّ هذا الضجيج الذي تفتعله هو مجرّد نقص بالشخصيّة وثقة هشّة بالتجربة الذاتيّة!
إنّ ما سبق؛ هو محاكاة قريبة لتفاصيل يوميّة يعيشها المشهد الشعريّ في سوريا عبر نوافذ الانترنت، ومنذ عقود كان يعيشها على طاولات المقاهي أكثر والأمسيات واللقاءات الشعريّة والمقالات الموقّعة أو غير الموقّعة.
ما اختلف اليوم هو كمية الضغينة الفائرة لتلك المشاعر العدائيّة تجاه الآخر، ابن أو ابنة، ذات العوالم الثقافيّة التي تعمل في حقل الكتابة الشعريّة، وما السبب الجوهري في ذلك؟ ربما تعاظم الـ أنا لجهة الإقصاء والإلغاء خوفاً من كسب القرّاء أكثر، إضافة لبناء التحليلات المعياريّة للزملاء في ذات المناخ الثقافي وفق تحرّكات الـ "أعجبني" أو الـ "أحببت" أو الـ "أعانق" أو الـ "هاها" أو الـ "أحزنني"... وهي خوارزميّة التفاعل الإيمائيّ المشهورة على موقع (فيس بوك)؛ على اعتبار أنّ ذلك الفضاء أداة "تواصل" لكنّه بات مقدمة لجبهات تقاس من خلالها حرارة المشهد وانشغاله، سواء أكان هنالك حجر منزلي أم لا.
الذات الشعريّة السوريّة توّاقة للضوء -على ما يبدو- حتى لو كان الأمر: فضيحة.
تدّعي بعض المنابر المختصّة بالشعر _حياداً_ بالنظر إلى النصوص وليس إلى ماهية الكتّاب، ولكن في الحقيقة -وحسب تجارب شخصيّة لي ولعدد من الزملاء- ثمّة تفكير طويل وانتظار وتمحيص وتفتيش عن الاسم قبل المنتَج المكتوب، شعراً، نثراً، مقالاً، ترجمةً. تنقيباً بتاريخ عمله الأدبيّ؛ أين كان؟ لمن يضع إعجاب؟ من يضع له "أحببت" على منشوراته؟... وهكذا، فالتقييم للآخر قادم مما يبنيه الأغلبيّة على الوشاية قبل التعرّف المباشر بالآخر.
ودون اكتراث لمسألة المتعة في كشف تجارب الحياة، عبر النصوص، ترى الولوج إلى إشعال الحرائق بين أبناء العمل الثقافي، يميل أكثر إلى كفّة التعصّب الموروث للعادات الاجتماعيّة والسياسيّة التي يأتي منها أغلب هؤلاء. لم تحررهم بعد قراءاتهم وتطلّعهم إلى ثقافات ولغات أخرى من ذهنيّة البحث عن مصيدة لفتيل تحقير المنجَز، وبرأيي حتى لو لم يعجبنا نص ما أو تجربة ما أو كتاب أو شخص ما، لا ينبغي الحطّ من قدره إذا كان جديّاً بالتعامل مع العمل الثقافيّ – الشعريّ على أنّه وسيلته في فهم الذات والعالم وإمكانيّة النقد الحقيقي.
إننا نعاني من كبتٍ تاريخيّ لفكرة التفرّد بالمنابر ومن لا يشبهنا سوف تبتلعه خوارزميّات الشيطنة التي نطلقها، لمَ كلّ ذلك؟ من أجل ماذا؟ لو افترضنا أنّ القرّاء يهتمون حقاً في العالم الافتراضيّة بجماليّات الكتابة الجديدة وحتّى المكرّسة، فكيف سوف ينظرون إلى هذه المعارك الغارقة بانتحارات ثقافيّة متشنجة وبعدائيّة عالية، بغيها الأول والأخير التخلّص من الشركاء في المشهد، وبالتالي البقاء في الصوت الواحد والدكتاتوريّة الثقافيّة المقبلة.
وإذا أردتُ هنا الإمساك أكثر بمحور الحرائق التي تشتعل في منشورات وتعليقات، فلا أستطيع تسميتها "جدلاً مثمراً" لأنّها تفتقد لأبسط معايير النقاش وسماع الآخر وترك مسافة معه ليقول ما يريد ولندع للناس القراءة والمحاكمة في جدوى هذ المنتج الإبداعيّ، ولنترك للمختصين بالنقد، ربما، البحث عن قراءات حقيقيّة تضع التجربة على محكّ النقاش وليس القتل المعنويّ.
نكتب؛ وهذا يكفينا عملاً أخلاقيّاً وإنسانيّاً، يحتمل النقد. دعونا نحاول مجدداً الترفّع عن استخدام أدوات العسكر في النقاش مع الآخر، فالشّعر لا يتحمّل كلّ ذلك الرعب من النوايا والمكائد الافتراضيّة أمام من ينتظر متعة في القراءة ونصّاً مختلفاً للكشف عن الإنسان.