الجمعة 5 حزيران 2020 | 8:55 مساءً بتوقيت دمشق
أوس أبوعطا

قيود تُرسَف بها قصيدة النثر العربية

قيود تُرسَف بها قصيدة النثر العربية
صالح الهجر، فنان سوري.
  • الأحد 3 أيار 2020

مرّت القصيدةُ العربيّة بالعديد من التحوّلات منذ عهد امرئ القيس إلى يومنا هذا حتى بلغنا قصيدة النثر، فهي تطوّر طبيعي لا قسريّ للشعر، تكمل الدورة عبر الدهور وتحقّق المقوّمات الأساسيّة عاطفةً وعقلاً، ولعلّ الشعر في جوهره ليس إلّا تعبيراً موفّقاً ومنمّقاً عن صدى الحياة؛ فرحها وترحها وعفويّتها وتصنّعها وسكونها وجموحها.
وما الشعر إلّا الشعور، وما الإبداع إلّا التجديد لا التقليد، ومن الطبيعي أن يتمّ إبداع شكل حديث للقصيدة العربيّة متمثّلاً بقصيدة النثر، حتى يأتي يوم يبتدع فيه شكلاً جديداً للقصيدة.
وقصيدة النثر التي تسلّط الضوء على المضمون لا الشكل، موسومةٌ بإيقاعها الخاصّ، وموسيقاها الداخليّة، مرتكزة على الألفاظ وتتابعها، وعلى الصورِ وتكاملها، وإذا اعتبرنا أنّ الأصل في الشعرِ هو الشعور والتأثّر والإتيان بما هو جديد وجميل؛ فقصيدة النثر لا تخضع لناموس الوزن والقافية.
فالشقيقة الشقيّة الصغرى في العائلة الشعريّة ثارت على دستور العائلة وعاداتها "دستور الفراهيدي" من عَروض وأوزان، ورفضتْ خوض غمار البحور الشعريّة وهي تماشي الحداثة.
كما أنّها ليست إلّا خلق حالة من النظام في جوٍّ من الفوضى –فسيفسائيّة الخلق- وقابليّتها للفنّ الإيحائيّ أكثر من سابقاتها.
فهي كسربِ فراشاتٍ ينتجنَ العسل بلا خليّة تؤويهنّ، وكأنّها وليدة التزاوج بين النثر والشعر وارثة من كليهما أفضل صفاتهما، مسقطة ًما يكبّل الإبداع والتجديد، وماسحةً كلّ أشكال التبرّج التي كان يطلى بها وجه القصائد القبيحة ولاسيما الفارغة من المعنى والإبداع، المحشوّة بالأوزان والتفعيلات فقط، فاضمحلّت الموسيقى الخارجيّة التي تغطّي عيوب ونواقص القصيدة، بيدَ أنّها عملتْ على بثِّ روح الموسيقى المتموّجة والهادئة بين السطور، ونجحتْ في فرض مواجهةٍ حتميّة بين الموهبة المحضة والكاتب، واضعةً الشاعر في مواجهة النص، ومميطةً اللثام عن حسن الموهبة، وربّما لهذا تهيّب الكثير من ركوب البحر الشعريّ الحديث، بحر قصيدة النثر الجافّ من التفعيلات.
وفي خضمّ هذا الفهم الخاطئ لقصيدة النثر والاختلاط الذي يسهل تبريره لدى البعض يبرز سؤالٌ مهمٌ جداً: ألم تأتِ قصيدة النثر لتحرر الشعر من عبوديّة الوزن والقافية؟ وفي المقابل أليست اليوم ترسف في قيود الغموض الخانق وتصحّر الموسيقى الداخليّة؟!
فمن المثير للاستهجان تقييد كتّابنا لقصيدة النثر بهذا الغموض اللامقبول واللامعقول! ومن ادّعى أنّ ضياع الفكرة أو حتى تعمّد دفنها لمئات الأميال من دعائم قصيدة النثر فهو بحاجة لمستكشفين متخصصين للتنقيب عن القصد والمعنى، فهي تبدو للقارئ متوسط الثقافة كأنّها مقتنياتٌ ثمينة لا يوفّق بابتياعها إلا الأثرياء "فلا يفهمها سوى المثقف عالي الثقافة" وقد لا ينجح في فهمها أيضاً فهو سيتعب من فكّ طلاسم السطور وهو يلعن مقولة "المعنى في قلب الشاعر".
فالشاعر هو من يستأنس نزعته الشعريّة المستأسدة، ويجعلها تلبّي ما يدور في ذهن وقلب القارئ؛ بما يلمسه ويعانيه في حياته اليوميّة؛ فهو ضميره المتكلّم، حينها تلقى السطور وقعاً خاصاً لديه دون أن تقيّد المتلقّي وتشعره بالعجز والنفور حيال هذا الجنس الأدبيّ، فهذا الغموض المستبدّ - الذي أصبح من ضرورات قصيدة النثر بسبب الفهم الناقص لدى كلّ شاعرٍ- يكلّس فكر القارئ ولا يعبّر إلّا عن نرجسيّةٍ موغلة.
فقصيدة النثر كما نعتتها سوزان برنار "هي كما يسري تيّار كهربائيّ غير مرئيّ عبر سلكٍ غليظٍ ليغرقنا فجأةً بالنور".
ولكن للأسف لم يبلغ وهجها إلّا قلّة قليلة ممن تحرروا من سلطان غموضٍ مكفنٍ لها، فقصيدتنا فيها الغموض المستساغ، المثير للشهيّة الاستكشافيّة، فاليسير منه ينعش العقل والذاكرة، فهو يزيد النص رونقاً وتمنّعاً، وقد كان السبّاق لهذا شاعرنا الكبير "أبا تمام الطائيّ" عندما سئل:
"لماذا تقول مالا يفهم؟ فأجاب: ولماذا لا تفهم ما يقال؟!".
نستشفّ من رسالة أبي تمام للمتلقي أنّه يتحتّم عليه ألّا يكون اتكاليّاً؛ بل يحثّه على بذل بعض الجهد والطاقة الذهنيّة والقفز بعض القفزات الفكريّة مستشعراً بالغموض الجذّاب، المقبول والمعقول منشطاً لذاكرته ومحفّزاً لمخيّلته، ليصل لثمرة القصيدة المشتهاة.
ويلجأ بعض الشعراء عن عمدٍ إلى تجفيف القصيدة من موسيقاها؛ وكأنّه من مقوّماتها التي لا يمكن أنْ تقوم إلّا بها وأيّ جنوح - في نظرهم - إلى إضفاء بعض الموسيقى؛ كتكرار ذات القافية في سطرين متتاليين، أو تكرار كلمات لها نفس الوزن، يعتبر إخلالاً ببناء القصيدة النثريّة.
ولأنّ الغاية المرجوّة هي إيصال الفكرة وتأدية المعنى فلا غضاضة إن طال السطر أم قصر، وتكررت ذات القافية أم لم تتكرر، دون تعمّد ذلك من الشاعر.
"وقد تعمّدتُ هنا عدم ذكر اسم أيّ قصيدة أو شاعر لأسلّط الضوء على المشكلة، وتحاشيتُ التشخيص، فالشبكة العنكبوتيّة تزخر بالقصائد الكفيفة والموغلة بالألغاز والخرافة والأساطير التي تسبّب تلبّكاً لغويّاً لا يستساغ فهمه ولا استقصاء معناه ولا حتى تحسس كنهه" وإذا تمكّن كتّابنا من عدم التوّرط بما سبق ذكره.
لعلّ قصيدة النثر حينها تخلّف انطباعاً من الدهشة وإضاءات بفعل التشابيه والصور المبتكرة لا المكرورة، يكتنفها الغموض الشفّاف، وبهذا تحمل مشعل الشعر لجنسٍ آخر ننتظر انبلاجه.