هذه قراءتي لقصيدة "لمحة عن الفراغ" للشاعر صقر عليشي، من مجموعته الشعرية "كتاب اللمحات"، الصادرة عن اتحاد الكتاب العرب.
وقبل الدخول إلى النص، لا بد من التفريق بين الكاتب ونصّه، استئناسًا بمفهوم "موت المؤلف" عند رولان بارت. فالقراءة هنا لا تقتصر على ذاتية عليشي أو نواياه، بل تنطلق من البنية الدلالية للنص، وما تنتجه لغته من توترات وأسئلة، وما تتيحه من احتمالات للتأويل.
من هنا، يستدعي نصّ عليشي، في تساؤله عن منشأ الخراب الإنساني من فراغ الضمير، أفقًا تناصيًا محتملًا مع السؤال القرآني في سورة البقرة: "أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ".
"كيف يأتي إذاً
يتها الفلسفهْ
يتها المرهفهْ
كيف يولدُ في الأرض
هذا الخراب الكبير
من فراغ الضمير"
غير أن النص لا يستعيد بنية السؤال القرآني بكامل نسقها؛ إذ لا ينتهي، في المقاطع التي نقرأها، إلى جواب يقيني مماثل، بل يضع السؤال في مواجهة الفلسفة ومفاهيمها، التي يبدو المتكلم متشككًا في قدرتها على إنصاف التجربة الإنسانية.
ومن ثمّ، يمكن قراءة الفراغ بوصفه مأزقًا في إنتاج المعنى، لا خواءً نفسيًا أو عاطفيًا بالضرورة؛ مأزقًا يتولّد من استمرار السؤال عن الخراب، وتعذّر العثور على جواب يبدّد مفارقته.
ومن يدخل دهاليز الفلسفة يدرك أن مسارها لا يقوم على تقديم أجوبة نهائية متفق عليها، بقدر ما يقوم على مساءلة المسلّمات وإعادة فتح الأسئلة. ولعلّ ما يواجهه المتكلم هنا ليس غياب الإجابة وحده، بل عجز الأجوبة المتاحة عن إيفاء حاجته إلى معنى يطمئن إليه.
ولأن المتكلم لمّاح إلى الحدّ الذي يطلب فيه جوابًا ممن يشكّ في قدرتها على منحه إياه، فإنه يباغتها قائلًا:
"لستُ منتظراً ردّها
لن تردّ عليّ
ولو بعد حينْ"
ولعلّ عبارة "هي أيضًا لها أنفٌ فوق" تفتح بابًا آخر للقراءة؛ إذ تُشخّص الفلسفة في صورة ذاتٍ متعالية، لها أنفتها الخاصة. ويمكن قراءة هذه الأنفة بوصفها مفارقة ساخرة بين حاجة الإنسان إلى المعرفة، وتعالي المعرفة، كما يتمثّلها المتكلم، عن منحه ما يطلبه منها.
وهكذا، لا يعود الفراغ مجرد غياب للمعنى، بل يصبح تلك المسافة القلقة بين ذاتٍ تطلبه، وفلسفةٍ لا تستطيع أن تمنحها جوابًا نهائيًا تستقر إليه. لكن السؤال المطروح ها هنا، والمتروك لغياهب الأسطر: هل تحرّر الكاتب من سطوة انتظار الأجوبة، ليعيش متآخيًا مع ريح القلق، أم أنه مستاءٌ من منهجية الفلسفة استياءَ العاقر من حملها؟
محاولة لخلق ساحلٍ لبحرٍ لا ساحل له





