في الشّعر لا مواسم ولا ضرورات. ثمّة رغبة لا تنتهي، عبثيّة ربّما، في أن نقول الشّعر. والشّعر، من دون مقدّمات أو شروحات، هو أنين العالم.
هل تعود «أضواء المدينة» لأن شيئا ما ينتظرها؟ نعم. ينتظرها الشّعر، وينتظرها الشّعراء، وتنتظرها اللّغة التي أتلفها الصمت طويلا. تنتظرها النقاشات والهواجس الفكريّة، ومحاولات الأصدقاء والصديقات الذين ما زالوا يكتبون الحياة التي يحلمون بها، في مواجهة جنون هذا العالم وحروبه وتحولاته السياسيّة القاسية.
حين أخبرني صديقي، مبرمج الموقع، أن عدد قراءات «أضواء المدينة» بلغ نحو مليون قراءة خلال الأعوام التي عملنا فيها، من أواخر عام 2019 حتى مطلع أيلول/سبتمبر 2024، توقفت طويلا أمام الرقم. نحو مئتي ألف قراءة في السنة لموقع إلكتروني متخصص في الشّعر، يقوم على جهود ذاتيّة خالصة، بلا تمويل ولا رعاية.
خلال تلك السنوات، نشرنا على مدار الأيام والأسابيع كل ما وصلنا من نصوص جيدة، ودراسات، وترجمات. لم يكن النشر خاضعا لعلاقات شخصيّة أو لذائقة المحرر وحدها؛ فنشرنا أيضا نصوصا وأخبارا وكتابات لا تكون بالضرورة الأقرب إلى ذائقتنا. وليس في ذلك مكرمة، بل هو الحد الأدنى من احترام فكرة الموقع. فمهمة المنبر أن يتيح المجال للشّعر، لا أن يكون مرآة لذائقة أصحابه.
كان «أضواء المدينة» مساحة لمن يكتب الشّعر ويهتم به، ولمن يريد أن يتبادل القصائد والأسئلة مع قراء يأتون إلى الشّعر وحده. لذلك لم تكن هذه القراءات رقما ضخماً بالنسبة، إنما هي حافز. لقد جعلتني أجمع ما استطعت من مبلغ الطوارئ في البيت، كي أسدد الدفعة اللازمة لعودة الموقع. فكّرت في الشّعر، وفي فرصة لأن أتابع ما بدأناه، وأن أنشر بعض ما تراكم لديّ من نصوص وقصاصات وشعر على امتداد سنوات طويلة.
عاد الشّعر. أو لعلنا نحن الذين عدنا إليه.
في أوقات كثيرة نتصارع مع الشّعر ومع الشّعراء، ونخسر كثيرا من الشغف. لكننا نعود، ونشحن ما بقي من حياة في أصابعنا وأصواتنا، ثم نتقدم من جديد نحو هذه المغامرة.
أن نقول شعراً اليوم يعني أن نحرس ما تبقى من إنسانيّتنا، ومن لغة شفافة نواجه بها الكراهية والأصوليّة والتعصب المتجذر في منطقتنا. ولهذا تعود «أضواء المدينة»: موقعا للشّعر ودراساته وترجماته، ومساحة مفتوحة للأصوات والتجارب والأسئلة.





