الثلاثاء 10 كانون الأول 2019 | 6:24 صباحاً بتوقيت دمشق
عمر الشيخ

مات شابّاً... كان اسمه "شهيد"

مات شابّاً... كان اسمه
أندرياس إيفيسوبولوس (1944) فنان قبرصي.
  • الثلاثاء 16 تموز 2019

كتب الشّاعر اليوناني "يانيس ريتسوس" عام 1957 قصيدة يرثي فيها قائداً عسكريّاً في الثّورة القبرصيّة ضدّ الاحتلال البريطانيّ واسم هذا الرجل هو "غريغوريس أفكسينتيو" قتلته القوّات البريطانيّة عام 1957 في حادثة إنزال جوّي كبيرة قرب مغارة ماخيراس التّابعة لديرٍ يقع جنوب نيقوسيا في الريف، يحمل نفس الاسم، وكان "أفكسينتيو" قائداً بارزاً فيما كان يعرف بالمنظّمة الوطنيّة للمقاتلين القبارصة آنذاك EOKA.
القصيدة إيّاها، مسجّلة بصوت الشّاعر "ريتسوس" وتحمل عنوان (توديع) وباليونانيّة أبوخيريتيسموس (Αποχαιρετισμός) ومنذ نحو ثمانية أشهر، استمع إليها بالّلغة اليونانيّة ببطءٍ وهدوء، وأتابع الكلمات على نصّ منها مطبوعاً بين يديّ، أترجمها وحدي كلّ يومين صفحةً، وهكذا إلى أن نضجت أمامي مرثيّة مؤلمة عن التّضحية من أجل فكرة الحريّة. لكن، المفاجأة أنّي كنت أمرّ كلّ يومٍ من شارعٍ يحمل اسم هذا القائد الرّاحل، وينتصب على جانب الطّريق قرب حديقة عامّة صغيرة، تمثال تذكاريّ للقائد! لم أنتبه من شدّة ارتباكي وخوفي، كنت أستمع لريتسوس بعظمة حضوره الصّوتي والشّعريّ يرثي شابّاً عمره 29 سنة فقط، قُتل بطريقةٍ وحشيّةٍ، يحكي عن عظامه المقدّسة التي خرجت من مغارة ماخيراس مفتّتة من القنابل الحارقة والقصف والرّصاص الذي تعرّض له بعد أن تحصّن فيها ضدّ القوّات المحتلّة الإنكليزيّة. وسألت نفسي، ترى من أجل من يموت هؤلاء النّاس؟ أي دستور هذا الذي يدفع النّاس لتبنّي القتل لغةً لحكم المجتمعات وتعبيدها بالتدّجين والاحتلال!؟ حقاً كانت تلك بريطانيا ومثلها فرنسا وكذلك بقيّة دول الانتداب، وهل ينسى التّاريخ كلّ ذلك! من سوف يحاكم تلك المراحل كي لا تُعاد بوجوهٍ أخرى وأناس أكثر قرب منّا. لقد زرعوا بذور التّبعيّة وما نحصده اليوم هو حساب قتل الشّباب الذين كانوا يظنّون أنّ موتهم سوف يوقف الاحتلال واستشهادهم سوف يرعب الأعداء..
حزنت لقصّة " أفكسينتيو" تذكّرت بلدي، والأرواح الّتي تزهق من أجل أفكار تقارب "الحريّة" ربّما، وهي لا تفكّر بالحرب إلّا كمصدرٍ لفرض القانون، وأيّة حكمة في ذلك، إنّه العنف المطلق، طريق معبّد بالدّم والذكريات المؤلمة، ثمّ نقول "ما أعظم الشهيد" ويبقى الظّلم مستمرّاً والطّغاة يتفاهمون فيما بينهم، وتذهب حياة البسطاء إلى الجّحيم.

لارنكا 15/7/2019