الأحد 22 أيلول 2019 | 2:20 صباحاً بتوقيت دمشق
نجيب نصير

الشّعر والتّفكير

الشّعر والتّفكير
محجوب بن بلّة (1946) الجزائر.
  • الثلاثاء 9 تموز 2019

الشّعر هو منتوج فكريّ، واللّغة هي وسيلة التّفكير، هذا على الأقل ما يسلّم به"الرّاسخون" في العلم، وهذا ما يدعو إلى فتح باب السّؤال حول علاقة اللّغة بالشّعر من ناحيتي التّفكير والتّعبير.
وبما أنّ قرّاء العربيّة أنفسهم ينطقون/ يفكرون، بالّلغات/ اللّهجات العاميّة المتنوّعة جدّاً، بما يعني أنّهم يعبّرون بها عن حاجاتهم ورغباتهم ومشاعرهم، بما يعني أنّه لن يغازل أحد حبيبته بالّلغة الفصحى ولن يعبّر عن حزنه أو اشتهاءاته أو أحلامه بهذه الوسيلة التفكيريّة مهما بلغت فصاحة لسانه، خصوصاً إذا أضفنا الرّوادع/ الرّقابات الأخلاقيّة والدّينية على ما يتطلبه استعمال الفصحى في المجالات التعبيريّة البشريّة، (وبصرف النّظر عن قواعد النّحو والصّرف)، فإنّنا نلحظ فوارق هامّة بين الفُصحى العربيّة نفسها بين الأقاليم النّاطقة (المفكّرة) بالعربيّة، فبنية الجملة المغاربيّة إن كان من ناحية مفرداتها أو من ناحية تصويتها، مختلف تماماً عن بنية الجملة المصريّة أو السّودانيّة وكذا السّوريّة والعراقيّة أو في اليمن أو أنحاء الجّزيرة العربيّة، وهذا ما يفضي إلى فهم المفردات أكثر ممّا يفضي إلى صنع تصوّر متكامل للمقصود.
ما تقدّم يثير الكثير من التّساؤل حول سلامة وصول المعنى إلى المتّلقي العادي المعني باستهلاك الشّعر كمنتوج راقٍ يستخدمه في بناء عالم جماليّ لنفسه، فهل يمكننا الركون إلى مجرّد قراءة الشّعر بالعربيّة كضمانة لوصول المعنى وحصول التّأثير؟!
نحن نفكّر بالعاميّة المحلّيّة، ونكتب بالفصحى المحلّيّة أيضاً، على أساس أنّ اللّغة كوسيلة تفاهم توحّد المنتوج، ولكن أين التّفكير والتّصوّر في هكذا منتوج؟
إنّ الممنوعات التّفكيريّة كثيرة جدّاً، وكلّها يتمّ مراعاتها عند استعمال الفصحى (هناك استثناءات قليلة؛ مظفر النّواب مثالاً) لتتحوّل الفصحى إلى رقيب بذاتها وعلى ذاتها كنوع من الحريّة السّلبيّة يشبه حقّ الإنسان بالانتحار.
يلحظ المرء على أغلفة دواوين الشّعر القديمة مثل "ديوان المتنبّي" أو غيره عبارة (شرح) ديوان المتنبّي، بمعنى تفسير ما كتبه أبو الطّيب للقارئ، فهل يحتاج الشّعر بالعربيّة إلى هذه العبارة كي لا يسيء قارئ العربيّة الفهم أو يستعصى عليه المعنى؟! أم أنّها مسألة بحاجة إلى تبيّن ومراجعة ومصارحة؟!