الأحد 22 أيلول 2019 | 2:47 صباحاً بتوقيت دمشق
إبراهيم حسو

"الفهرس السوري" لـ علي سفر: الوطن الذي أصبح جثة تشرق عليها الشمس

غلاف الكتاب
  • الخميس 4 تموز 2019

يمكن وبكل بساطة متاحة أن نقول عن الشاعر السوري علي سفر (1965) من خلال مجموعاته الشعرية الأخيرة أنه شاعر الألم والحرائق فأغلب كتاباته الأخيرة وواحدة منها بين يدينا تتحدث عن الحريق السوري الذي مازال مستعراً وأخّاذاً.
هذا الحريق الذي امتدّ طيلة السنوات الثمان، متنقّلاً من قصيدة إلى قصيدة ومن دمعة إلى دمعة دون توقف ودون استكانة ليتحول نصّ علي إلى ما يشبه معركة أخرى بين الشعر وأدواته، وبين الكلمة والطلقة، وبين أن تكون موجوداً وأن تفرض وجودك وتوثّقه، ولكي تستمرّ الكتابة في هذا الحقل المغناطيسي عليك ألا تغمض قلمك وتعمي بصيرتك حول كلّ ما يجري من فظائع وفجائع وتوثيق الدّم في كل كلمة وكل نبض.
هي كتابة الألم إذن، كتابة الجحيم السوري بكل فهارسه و احتواءاته، تصوير الخراب بمخيّلة شاعر يرى كل أشكال الموت والرّعب، يرى كيف يصبح القتل لعبة جماعية والموتى يصبحون دمًى ورؤوسهم كرات متناقَلة من قدمٍ إلى قدم، كما هي كأنّ كل شيء على وسع فجيعته يتحوّل إلى مشاهد ولوحات جارحة تدوّن الخوف وتجمّله، هذا الخوف الذي ينسكب بين المفردات ويسكن في اللغة، لتنفلت السّياقات وتتبعثر الدّلالات باحثةً عن فهارس جديدة وخرائط أخرى كي يعيد المعنى إلى مجراه وتستمر الفجيع بأناقتها والسّواد بكامل أبّهته:
"أفكرُ بكتابةِ قصيدةٍ ما
وفي منتصف الطريق الى المجازِ
تنغرزُ بروحي بقايا زجاج البيت المقصوف
حيث تلتمعُ صور سكانه الشهداء
في الطريق الى القصيدة،
سورية هي المجاز"
يكتب "سفر" الفجيعة السورية ليس كمتفرج أو كصائد الفكرة كما يفعلها معظم من وثقّوا الألم السّوري شعرياً ونثرياً، تشعر وأنت تقرؤه كأنك تعيد معه ترتيب وتركيب الأحداث منذ انطلاقتها، تراجع معه كلّ الصّور والتّفاصيل الحياتيّة التي رافقت الكارثة السّورية.
بمعنى يصحبك الشاعر في رحلة العدم مع الموتى والقتلى والشّهداء وهم يكملون المشهد ويخرجونه بمهارة قاتليهم وذكاء مروّضيهم، هذا لا يعني الموت في مواجهة الشعر أو العكس؛ فالشعر لا يواجه أحداً، هو يواجه نفسه فقط! لأنّه كائن هلامي لا يرى إلّا ما يرى كاتبه، وصاحب (يوميات ميكانيكيّة) كان يرى المشهد برمّته من منفاه، كان ينتقل بلغته من مجزرة إلى أخرى ولا يستطيع مجاراة الموت برقّة لغته وهدأة كلماته وتشابك مخيّلته، ويريد أن يتحول إلى شاعرٍ بلا عقل، بلا لغة تنقذه، كي ينجو من رصاص القتلة! فلا شيء يستحقّ الإبقاء عليه:
"لم أعد أخافُ من الموت، باتَ لي أصدقاء كثر هناك، حيث يسكن الموتى
وأنتَ ترى في العتمة، دقق في السواد، ألا ترى وطناً كاملاً هناك
في موتي الذي ضاع رقمه بعد ثلاثمئة ألف وطن... ما الذي بقي منّي
أنا السوري الهارب من مصير الرفاق الذين قضوا هناك سوى صورهم ونعواتهم"
كتاب "الفهرس السوري - دار المتوسط 2018" لم يكتب كيوميّات أو وقائع حياتيّة لمتربّص الحرب السّورية، كما اعترف علي نفسه بذلك؛ مع الملاحظة أنّ أغلب الّنصوص تتناول وجعاً عامّاً ولكن بتفاصيل حياتيّة خاصّة، وإن بدت هذه التّفاصيل تختفي في النّصوص الأخيرة (استنبول ) (دمشق) وخاصّة تلك النّصوص التي تتناول الأمكنة والحياة المتنقّلة بين المدن (دمشق و عينتاب) وهي رحلة أخرى تضاف إلى رحلات الشاعر في تجواله بين القصيدة والأخرى، كأنّه بذلك يريد ترتيب منفاه أو تحضير قبرٍ لوطنٍ أصبح جثّةً، كما حدث لصديقٍ لم يشأ أن ُيدفن جسده في أرضٍ غريبةٍ فطلب أن يُحرق جسده، مثل هذا الموت لا يليق إلّا بالسّوري الذي لم يستوعب ما جرى له وما جرى في سوريا:
"ويمكن ترتيب المنفى كقبر، ولكن الإرباك سيأتي من تفاصيل، لابدّ من جلبها إليه وإحاطتها بالجسد، هل نستطيع جلب وطناً بأكمله إلى قبر المنفى؟! أعرف منفيّاً رتّب قبره في منفًى بعيد ، وأعرف آخر لم يشأ أن يُدفن في أرضٍ غريبةٍ، فطلب أن يُحرق جسده! كيف يمكن للجسد الذي أمسى رماداً أن يبعث حياً حين تقوم بنا القيامة؟!"
لا أظن أنّ هناك شاعراً سوريّاً وثّق ودوّن الفجيعة السّورية، كما يوثّقها و يدوّنها "سفر" في (يومياته) و (فهارسه) ولم أقرأ حتى الآن نصوصاً تقارب هذه الكتابة الأليمة وتُري القارئ شعريّاً ما حدث ويحدث في سوريا، إلّا فيما مضى في "الشّعريّة العراقيّة" كانت هناك شعريّة السّواد والفجيعة إبّان الحرب الأهليّة في التسعينيّات؛ حيث برزت الكثير من المفاهيم الشعريّة الجديدة، أو ما يمكن تسميتها (شعريّات الوجع و السّواد) والتي تأثّرت بها الشعريّة السّوريّة في الكثير من المطوّلات الشعريّة التي رافقت تلك الأحداث وأحدثّت تغييرات بنيويّة وبنائيّة في هيكليّة القصيدة العربيّة منها قصيدة النّثر التي اختلف عليها النّقّاد فيما بعد وخاصّة في تداولاتهم المثيرة حول إدراج هذه النّوعيّة من الكتابة ضمن الكتابة الإبداعيّة (الّشعر الشّعبي والارتجالي) كونها هذه الكتابة ولدت من نار الحرب وستذهب في رمادها.
ما يهمّ هنا أنّ هذه الشّعريّة ما تزال تؤثّر على الذّائقة الشّعريّة للقارئ العربي، بكلّ ما فيها من الصّور المؤلمة والّلغة الحزينة القريبة من النّواح، وأحياناً اللّغة الصّاخبة والسّاخطة التي تلهب المشاعر تؤجّجها، رغبةً في تحريك الوجدان والإنسانيّة المفقودة أو المُفتقدة، كذلك هذه التّوثيقات الذهنيّة التي تمسّ الوقائع اليوميّة للحرب، فالصّور والفيديوهات والإعلام المرئيّ وغيرها؛ ما عادت ترضي وحش المجازات، كما أنّ طريق الثّورات لم تعد تفضي إلى اليوتوبيا لأنّ الشّاعر الذي كان يحلم أنّ روحه شجرة بدأ يسأم:
"ما أجمل المدن الغريبة، لا تعرف طرقاتها
ولا يعرفك فيها أحد
تشتهي أن تكون فانوس ليلِ زواريبها
لتتلصّص على رجالها ونسائها وهم يألفون وجودك راسخاً في المكان
طوبى للغرباء في مدن بلا حروبٍ وثوراتْ".
لا يكترث الشاعر للبلاغة والزّخرفة والاستعارات والتّنويم اللّغويّ الدّارج، ولا يهتمّ بكيفيّة إيصال الفكرة والمعنى لأنّهما لا يكلّفان جهداً ذهنيّاً إضافيّاً، هو يكتب المشهد ويصفه كما تُّملي عليه ذاكرته وعينه السينمائيّة، وهو صاحب تجربة تصويريّة ويعرف زوايا وخبايا وخفايا كيف تُصنع المشهد من الحدث نفسه دون الاستعانة بالمخيّلة والمخزون الذي ينهل منه الرّسّام عادةً في ترسيم الخطوط الأولى للّوحة التشكيليّة.