الثلاثاء 18 حزيران 2019 | 2:1 مساءً بتوقيت دمشق
نجيب نصير

أطلال الشّعر

أطلال الشّعر
فاتح المدرس - فنان سوري (1922-1999) إنترنت.
  • السبت 1 حزيران 2019

تجمد الشعر في لحظة ما من ثمانينيات القرن المنصرم، وأصبح صنماً من أصنام جاهلية بدأت فجأة، ولم يتسن لأحد هدمها أو تحطيمها، ليس ما أقوله أسطورة أو ادعاء ولا حتى أمنية من أماني شعراء العمود التراثوي، فأنا أشير هنا فقط إلى ابتعاد المستهلك عن المنتوج والمنتج، وليس في هذا أي بكاء على الأطلال، ولا أية "نوستالجيا" لفردوس مفقود، فما الأمر إلا سنة من سنن الحياة الدنيا، فكل ما يعيش يموت، وكل ما يبدأ ينتهي، عندما يلتقي ببيئة تتعاكس مع ضرورات عيشه.
الشعر والفنون عامة تعيش على الناس، وابتعاد الناس عنها هو انسحاب من عقد غير مكتوب، على ما آلت عليه لغة الحياة من شفاهية مستحكمة، لا تعطي لأي تعاقد أية قيمة، ومع ذلك تم تبرير مسألة الانسحاب الشعري على أنه ظاهرة عالمية ليست مقتصرة على الشعر الناطق باللغات العربية، بل هو سمة العصر، ولكن ماذا عن قرّاء العربية الذين يعتبرون أن الشعر هو ديوانهم، وهو اعتبار من خارج الشعر وضرورته للحياة البشرية؟
في واقع الأمر لم تحسب حركة الحداثة الشعرية حساباً، للحداثات المجتمعية الأخرى حيث اعتبرت نفسها مولوداً بكراً يستطيع إرشاد إخوته، في سياقات الحداثة الأخرى المطلوبة لتأسيس المجتمع الحديث، ولكنها فشلت في الإرشاد كما في "الاسترشاد" في هذه السياقات، لتتحول الحداثة الشعرية إلى مجرد شهادة براءة ذمة تثبت انصياعها للحداثة وتحديداً للتكنولوجيات الحداثية، أكثر مما هي حركة أصلية معنية بإعادة إنتاج حداثاتها الخاصة، مما يجعلها تعيش وهمها الخاص في كوكب غير بعيد عن التراث الذي ثارت عليه.
ربما كان الشعر يعيش موته! بين تنكر القارئ الذي يبحث عن ديوانه "التاريخاني"، وبين منابر التكنولوجيات المحدثة، التي لا يمكنها العيش خارج فضاء سياقات الحداثة المجتمعية، أي ما يمكن تسميته "البيئة القاتلة".
لا يمكن للشعر أن يستمر خارج السياق الحداثي لأي زمن، كما لا يمكنه العيش داخل سياق حداثي وحيد مجرداً أو منعزلاً عن السياقات الحداثية الأخرى، لذا وجب التنويه!