الثلاثاء 18 حزيران 2019 | 1:43 مساءً بتوقيت دمشق
أحمد محمد السح

"جماليات المتاهة" كتاب يعيد قراءة القصيدة العربية المعاصرة

غلاف الكتاب.
  • السبت 1 حزيران 2019

يجد بعض النقاد أن التغلغل في المتاهة هو سرّ الشعر، فالمتاهةُ هي العالم الذي يعيش فيه الشاعر، مستندين إلى أن أكثر الشعر جمالاً هو الذي ابتعد عن سياط الواقع وقوانين المنطق الحياتية، وهذا المنطلق يشكل المدخل الأساس للناقد د.عابد إسماعيل، لكتابه النقدي (جماليات المتاهة – قراءة نقدية في الشعر العربي المعاصر/ دار التكوين 2019).
يدخل الكتاب في عملية بحث أقرب إلى اكتشاف الشعرية في مسيرة الشعراء على امتداد الدول العربية. منوّعاً في اختياراته الشعرية لأكثر من 70 شاعر وشاعرة، تمتد تجاربهم إلى اللانهاية وفقاً "للفهم الشعري" والرافض للاكتمال، منهم (إبراهيم جرادي، محمد الماغوط، أدونيس، عباس بيضون، محمود درويش، عبده وازن، منذر المصري، أمجد ناصر، ناتالي حنظل، أنسي الحاج، سركون بولص، نزار قباني، بسام حجار، سعدي يوسف، نوري الجراح، سليم بركات، غادة السمان، وديع سعادة، سيف الرحبي، قاسم حداد، سنية صالح) وآخرين.
يقترح د.إسماعيل في دراسته هذه مساحة دعوة جديدة للسفر مع قصائد الشعراء ومجموعاتهم، في تهويماتهم التي يحلمون فيها أنهم يمسكون شبح الكلمة، ولا يطلبون أن تقف الأمور عند حدّ ما! القصيدة تفتح نوافذها للريح لتعصف بها، حتّى تنخلع النوافذ والأبواب وحتى الأعمدة.
وعلى امتداد نحو خمسمئة صفحة، تبحث هذه الدراسة عن جماليات الجملة الشعرية في دواوين للشعراء الذي عرفهم الناقد شخصاً وروحاً عبر خصوصية قصائدهم، مستذكراً رحلته في مقالات نقديّة عن قصائدهم في وقفات تحلل بنيتها الخاصة وفق رؤى تنظيرية تختلف من شاعر إلى آخر وتختلف أيضاً عند الشاعر نفسه بين مرحلةٍ وأخرى. منهم من اهتم بقصيدة التفعلية أو القصيدة العمودية ومنهم - أو لنقل أكثرهم – وفق اختيار الناقد ممن شقوا الطوق وذهبوا باتجاه قصيدة النثر ليبدأوا فيها ويطوروها باعتمادٍ لما استلهموه من تجاربهم الشعرية والنقدية التي عرفوها من بعضهم أو من التجارب الشعرية المترجمة التي كانت السبب في دخول هؤلاء الشعراء إلى متاهة قصيدة النثر بالمعنى الجمالي للمتاهة.
تم ترتيب أسماء الشعراء التي وردت الدراسات حولها ترتيباً أبجدياً، وفي داخل الصفحات يتم ترتيب الشعراء وفقاً للترتيب حسب جنسيات هؤلاء الأدباء في مسار متجدد مغاير للمسار الزمني أو الشهرة والأهمية، ولا يعطي أفضليات للنص أو الشاعر إنما هي عبارة عن قراءات نقدية متنوعة بتنوع القصائد تتلمس تجربة كاملة للشاعر أو تجربة في ديوانه، أو وثبة عالية له في قصيدة أو حتى مجرد مقطع.
وقد لاحظنا أن الناقد يحاول نبش النصوص ودلالات المعاني واللغة الشعرية والحساسية بأسلوبه كشاعر يحتفي بالشعراء على طريقته، محاولاً إرجاع النصوص إلى أطرها النقدية دون أن يحرمها حريتها ورغبتها التي تتمازج مع رغبة الشعراء المحدثين منهم بشكل خاص في الانفلات من قيود النقد وتحريماته.
ينهي الناقد كتابه بالبحث في "إشكالية المصطلح الشعري" التي وردت في تسميات اتبعها نقاد أو شعراء، وسرت على الألسن وعبر حبر الأقلام دون مراجعة واضحة لحدود المصطلح وتحديات قيوده، بادئاً بطرح نازك الملائكة لمصطلح الشعر الحر مع قصيدتها "الكوليرا" ومن ثم انتقال إلى المصطلح ليتقاطع مع قصيدة النثرومع التقدم في التجربة يرجع الشعر الحر "الملائكي" إلى مصطلح "شعر التفعيلة" تمميزاً له عن الكلاسيكي المقفى، في إحاطةٍ مستلهمة لكتاب مرجعي هو "فلسفة الإيقاع في الشعر العربي" للناقد "علوي الهاشمي" ليستعيد فصوله وأهم الإشارات التي مرّ عليها الكتاب ومما يورده (يقسم الهاشمي النصوص إلى ثلاثة نماذج، في ضوء علاقة كل نص بفعالية الذاكرة التي تسنده. فثمة النص الاتباعي.. والنص الإبداعي الغنائي.. والنص الدرامي).
يحتوي الكتاب على غنى معرفي يفيد في تكوين صور ومقدمات وأسس نقدية عن شعراء وقصائد قرأناهم أو لم نتمكن من الوصول إلى إبداعاتهم في اشتغال نقدي يقوم به شاعر له ست مجموعات شعرية، وبالتالي فهو ليس ناقد عاجز عن الشعر كما هو التصور الأسوأ عند الشعراء حول النقاد في أنهم شعراء فشلة على حسب أحد التعريفات (...) إنما نحن أمام كتاب مفيد بصوت الشاعر النقدي.
يشار أن د.عابد إسماعيل، يعمل كأستاذ للشعر الأمريكي الحديث في جامعة دمشق ـ قسم اللغة الإنكليزية، وهو صاحب أطروحة دكتوراه متميزة بعنوان "ولاس ستيفنس: تخيل صوفي أسمى"، 1995؛ وقد صدر له شعراً "طواف الآفل، "باتجاه متاه آخر، و"لن أكلم العاصفة". وله في الترجمة: "قلق التأثر"، كتاب هارولد بلوم الشهير، ورواية ف. س. نايبول "نصف حياة"، وأعمال أخرى.