الأحد 11 نيسان 2021 | 3:37 صباحاً بتوقيت دمشق
منار يزبك

استعادة محمد الماغوط وقصيدته الخاصة

استعادة محمد الماغوط وقصيدته الخاصة
محمد الماغوط (إنترنت)
  • السبت 9 آذار 2019

لو أردنا تحديد مفهوم جامع شامل لقصيدة النثر، فإنّ أفضل ما نقع عليه هو ذاك التعريف الذي بدأته (سوزان برنار)، الناقدة الفرنسية في مقدمة كتابها (قصيدة النثر منذ بودلير إلى الوقت الراهن) "إن قصيدة النثر هي قطعة نثر موجزة بما فيه الكفاية؛ موحدة مضغوطة كقطعة بلور؛ خلق حرّ ليس له من الضرورة غير رغبة المؤلف في البناء خارجاً عن كل تحديد؛ وشيء مضطرب؛ إيحاءاته لا نهائية".
انطلاقاً من هذا الاقتباس نتجرأ بالقول إنّ الشعر أداة للمعرفة لأنّه تجربة ذاتية للكيان الوجودي للشاعر، ولكي يستطيع الشاعر أن يعبّر عن تلك التجربة في ضوء التعريف السابق يجب التّحرر من القوالب التقليدية الموروثة التي تحدد وتؤطر الإبداع، فكلّما كانت التجربة جديدة مبتكرة كان التعبير حيّ وجديد، وهذا حقيقةً سيخلق نوعاً من التفاعل مع روح العصر والتقصي الحثيث عن لغة شعرية متطورة تناسبه إن صحّ التعبير، وبالحديث عن قصيدة النثر تستحضرنا تجربة الشاعر محمد الماغوط الشعرية، فمن بين ثنايا جدران مقهى أبو شفيق، وفي تلك الزاوية التي تحتضن طاولته المتواضعة؛ مكانه الذي لم يفارقه، وعلى مقربة منه نهر بردى؛ انتشرت تلك الشاعرية في عبق الحروف والصور والمعاني، سيرورة الشّعر لذاك العفوي النثري الفذّ بدأت في أوّل قصيدة نثرية "غادة يافا" في مجلة الآداب البيروتية، ثمّ تلاها أوّل ديوان شعري في مجلة شعر(حزن في ضوء القمر) سنة 1959، لتصل إلى المسرح والصحافة والسينما والتلفزيون؛ سيرورة خطّتها أقلام تؤكد أنّه كان في بداياته على طريق ابتكار وابتداع فن شعري نثري حديث؛ خطا فيه مع أنسي الحاج وأدونيس ويوسف الخال خطواته الأولى في مجلة شعر بإبداع ذي فنية شعرية عالية لا تجعله في مقام واحد مع أعماله الأخرى، فما كتبه فيها لا يماثل إبداعه وريادته النثرية، وهذا يحلينا لنسأل السؤال التالي هل بدأت قصيدة النثر مع محمد الماغوط؟؟... بدأت معه ومع أنسي الحاج سواء أطمست الحقائق أم أعُلنت؟؟ فثمّة هناك من يقول الحقيقة، يقول الماغوط في إحدى حواراته عندما سئل عن كون قصيدة النثر قد بدأت معه وليس مع أدونيس ويوسف الخال: "لقد صرت في الحركة الشعرية العربية وفي قصيدة النثر بالذات ولا أريد عداوات مع أحد فأنا مثل تروتسكي في الحركة الشيوعية ولا أريد بلطة على رأسي في آخر العمر".
لقد مرت القصيدة النثرية عند الماغوط بحالة كمون عندما غاصت في أعماق ذاكرته في شريط منذ الطفولة إلى إلهام الكتابة؛ تُجاور أحاسيسه ومشاعره التي ولّدتها يوميات عاشها فبقيت في تلك الحالة تتغذى من عوامل ذاتية ظهرت في ضمائر وحيوات الناس بصورة نثرية جديدة سجّلت باسمه؛ رافضاً ثوابت التفعيلة نابذاً التكلّف والصّنعة ساعياً إلى البساطة والسهولة، فتجربته الشعرية مثّلت عمق الحفر الجمالي في القصيدة بعفوية وإلهام فطريين؛ وسليقة شعرية لم تخضعه لسلطة المدارس النقدية وتقنيّاتها والنظريات الشعرية الحديثة التي يُطالب بوجودها في نصه النثري رغم إعجابه بالشاعر رامبو؛ فهو القائل عن نفسه أنّه كتب الشعر ولم يكن يعلم أنّ ما كتبه سيكون نوعاً جديداً من الشعر النثري، لقد انهمك في براعته الفطرية التي ولّدت تلك التجربة النثرية في قصيدة النثر العربية متجاوزاً قيود وسجن نظام الشعر العامودي.
وبالعودة إلى الجمالي الذي تجلى في اتّساع المعاني وبتجربة غير شخصية؛ فهي تجربة عامة تعبر عن هموم مشتركة بينه وبين الحياة والعبودية والرعب والظلم، وتنم عن تجاور منطوٍ على السخرية بين البسيط وبين المزاجية الحادة التي أوجدت نوعاً من الحل للإشكاليات بين الشعر التقليدي القديم وبين قصيدة النثر عنده، فقد اتّسم أسلوبه بالمرح البسيط وبلغة شعرية اعتيادية؛ وبنمط من الكلام متصل بالطرائق العادية للقول النثري، لذلك نرى النهايات الشعرية عنده مفتوحة لأفق الحرية التي طالما عاش لأجلها.
لم يسعَ وراء نماذج التماسك اللفظي ومتانة السبك، بل سعى لإبراز نمط من المواقف الحياتية والاجتماعية يدفعه لذلك حساسية عالية نحو المتلقي لمشاركته في أحاسيسه ووجدانه، رافعاً الصوت عالياً في قضايا تخصّ الناس والمجتمع تارة وصادقاً ونزيهاً مبدئياً في قضايا تخصّ الوقوف في وجه الظلم والاستبداد تارة أخرى.
يرى الناقد جابر عصفور "أنّ الماغوط يمسك بزمام قصيدته عبر ثلاثة حبال يجمعها قلمه هي: المكان والزمان والصورة عبر قاموس لغوي واسع غزير "
وفي المقام نفسه يقول محمود درويش: "وهو، هو الذي جاء من الهامش واختار هامش الصعلوك، شعره هو فضيحتنا العامة، فضيحة الزمن العربي، نحن لا نستطيع أن نحب قصيدة الماغوط ونرفض قصيدة النثر التي كان أحد مؤسسيها الأكثر موهبة، سر الماغوط هو سر الموهبة الفطرية... لقد عثر على كنوز الشعر في طين الحياة؛ جعل من تجربته في السجن تجربة وجودية، وصاغ من البؤس والحرمان جماليات شعرية وآلية دفاع شعري عن الحياة في وجه ما يجعلها عبئاً على الأحياء".....
يقول الماغوط:
الحكّام: طغاة، قساة، بغاة، جهلة،
انتهازيون، منافقون وقلوبهم حجر جلمود
وصخر الصوان
والشّعوب: لمامة، قمامة، صراصير،
حشرات، إمّعات، مُذلّون، مُهانون، مُكرمون
والأوطان: حبيبة، مفداة، مبتغاة، أبيّة،
موفورة الكرامة، عزيزة الجانب دونها حبل الوريد وحبل الغسيل
لقد كتب مؤلفاً عنونه "سأخون وطني" خان التّراث الّشعري وهجر قوافيه وخان وطنه بوقوفه إلى جانب المستضعفين والفقراء، رافضاً الظلم ساخراً من الاستبداد، وخان نثره الذي جعل من موسيقاه الشعرية إيقاعاً لحياة التسكّع التي عاشها، وخان نفسه عندما أبعدها عن الشعر، ونقلها إلى ضفة أخرى تاهت بين المسرح والسينما والسيناريو، وإنصافاً لنفسٍ حملت حزن وآلام الناس البسطاء، لولم تبق في حدود الإطار المكاني الإقليمي لانفتحت لها آفاقٌ إنسانية عالمية جعلت من التجربة الشعرية التي خاضتها من أكثر التجارب موهبة والتي ساهمت في إرساء أسس قصيدة النثر.