الأحد 11 نيسان 2021 | 3:7 صباحاً بتوقيت دمشق
نور طلال نصرة

قصائد لـ نتالي حنظل: سنطارد الجدار من أنفاسنا

قصائد لـ نتالي حنظل: سنطارد الجدار من أنفاسنا
الشاعرة نتالي حنظل (إنترنت)
  • السبت 9 آذار 2019

كنت في طفولتي ألوذ إلى صورة قديمة لجدي كلّما شعرتُ أنّي تائهة أو وحيدة، صورة ملوّنة ومعلّقة على الجدار المائل لمكتبة أبي تعود لعام 1948. وفي كل مرة كنت أنظر فيها عن كثب، في اسمه المُدوّن أسفل الصورة جهة اليمين (نجيب)، وفي لون عينيه الأزرق المخملي الغامق، كانا يقولان لي بأن أبقى، بأن أرحل. وفي كل مرة كنت أتمعّن في السماء الفسيحة خلفه، وأتساءل: كيف كان لونها في ذلك اليوم؟ وماذا يعني ذلك الشعور، أن تكون في فلسطين في ذلك اليوم؟ كان وجهه يوحي بالغضب وبالتشاؤم، كان يبدو غير راغب في أن يبوح بأي شيء. لكنني كنت أعتقد أن عزوفه عن البوح لم يكن حقيقياً نوعاً ما، ممّا جعلني أعود لهذه الصورة كلّما أردتُ التحدث إليه.
لقد غَدَت هذه الصورة مكاناً للتأمل وللصلاة وللبوح وللعاطفة وللحب ومسرحاً للشعر. كانت منصتي، كانت فضاء جعل من كلماتي شخوصاً. إلاّ أنني ترعرعتُ حانقة على هذه الصورة التي ساعدتني في إدراك عالمي وقربتني من فلسطين، جعلتني أعي أكثر غرابة التيه الذي أعيشه وغياب الوطن. وبتّ أتساءل: هل كان وطني مجرد وهم؟ وهل أنا تائهة في ذلك الوهم؟ ثم قررت فجأة التوقف عن النظر إلى تلك الصورة. لقد شعرت بالخديعة.
وبعد سنوات عديدة، وبعد تنقلنا في بيوت وبلدان عديدة، وجدت صندوقاً يقبع في زاوية غرفة والدتي والتي أصبحت غرفتي فيما بعد. لم أفكّر كثيراً في أمر الصندوق، لكن منظر القمر في منتصف إحدى الليالي أعادني إلى مكان أعرف عنه القليل ولكن لا يمكنني أن أعرف عنه كل شيء. تملكني الخوف والإثارة في آن معاً. ثم فتحت الصندوق. وكانت الصورة أول شيء يقع تحت ناظري. في البداية، لم أجرؤ أن أتمعّن في شيء هجرته لوقت طويل، لكن في نهاية الأمر لم أستطع أن أقاوم، وأصبت بالصدمة.
اكتشفت أن الصورة لم تكن ملوّنة، كانت بحبر السبيدج (البني الغامق)، كما ظهرت سماء فلسطين الفسيحة كمحيط بالنسبة لي الآن. هل تغيرتُ لدرجة أنني لم أعد قادرة على رؤية الصورة ذاتها التي حدقت بها لسنين؟ أم هل تراني أرى الصورة للمرة الأولى الآن؟ هل رأيتُ في الصورة فقط ما رغبتُ برؤيته في الماضي؟ أم أنّها صورة مختلفة كلياً؟ تمعنت أكثر في الصورة، وجدت اسمه والتاريخ في الأسفل على يمين الصورة. عدتُ لدفتر مذكراتي في تلك السنوات بحثاً عن الملائكة وعن الضوء. وأدركت أنني لا أستطيع أن أثق دائماً بقدرة الذاكرة ولا بالكشف الكامل عن متاهة الحقيقة، لأن الحقيقة في وقت ما ليست بالضرورة الحقيقة ذاتها في وقت آخر.
وفي اليوم التالي وخلال تناولنا للقهوة، سألت والدتي: في أي مكان من فلسطين كان جدي يعيش عندما التقط لنفسه هذه الصورة؟ أجابت بشكل طبيعي وهي غير مدركة لأهمية السؤال بالنسبة لي: "لم تكن تلك الصورة في فلسطين. لا أدري أين التقطها بالتحديد، لكن لا، ليست في فلسطين".
لست متأكدة إذا كنت قد تفاجأت واضطربت أو ارتعشت، لكنني علمت في تلك اللحظة أنني سأبحث دائماً عن فلسطين، في كل مكان، وستبقى حاضرة دائماً كما كانت غائبة. وستكون دائماً الشيء المفهوم والغامض بالنسبة لي. وعلمت أن كلماتي هي السبيل الوحيد للوصول إلى فلسطين وإلى العالم.
كتب أوكتافيو باث: "بين الثورة والدين، الشّعر هو النداء الآخر. نداء الشّعر مختلف لأنه نداء العواطف والصور". وبالتأكيد خبِرتُ الشعر في هذا المنحى، لكنني أعتقد أيضاً أنّ الفن هو أداة لخلق التغيير. قد يجد البعض هذا الكلام ساذجاً لكن كما عاينه بريمو ليفي فإنه أمر جيد وأخلاقي أن تتصرف كما لو أن الأمل ما يزال موجوداً.
للأدب قدرة في التعبير عن الحواس العميقة وعن الوقائع، كما يمكن لقصيدة ما أو لمسرحية أو لقصة أن توقظ الألم والحقيقة بنفس الطريقة التي تبعث بها التمرّد والفعل الفوري. إن الكلمات فعل ساميّ، وهذه الساميّة هي سياسة حيث توقظ ما هو معروف ومجهول بالنسبة لنا، ما هو حقيقي أو مجازي، مرئي أو خفيّ، كما تأخذنا إلى دهاليز التاريخ وتجاوز غموض خصومنا.
ككاتبة، أبحث عن الغسق وما يخفي وراءه. وكفلسطينية أمريكية يمكنني أن أصف حياتي كهجرة متواصلة. هذا من جهة جعل من المستحيل بالنسبة لي الهرب من مرارة فقدان وطني ودلالة هذا بالنسبة لفلسطين التي كنا نعرفها وللفلسطينيين. كما يجعل من المستحيل أيضاً إقصاء هذه التراجيديا من أعمالي.
أريد إقامة حوار متواصل مع العالم من خلال عملي، كما أني معنيّة بأن يكون للفن دور في التعبير عن إنسانيتنا وتوحيدنا عبر مخاوفنا ودموعنا، وآلامنا وابتهاجاتنا. أريد أن تصل قصصنا وواقعنا: فتاتان تركضان في حقل أشجار البرتقال، شابٌ يقدم وردة لحبيبته، طفل بعمر الثانية عشر يمشي بقدم واحدة، وآخر أصيب بالعمى جرّاء انفجار.
ومن خلال هذه القصص والقصائد تصبح الحرب والوحشية التي يمارسها الاحتلال أكثر ملامسة لأولئك المستمعين أو القرّاء حيث سيجدون أنفسهم معنيين على المستوى الإنساني بأولئك الأشخاص وقد يرون أنفسهم أباء أو أمهات لهذا الطفل. قد يدفعهم هذا – كأمريكيين- للسؤال عن الوضع المأساوي الذي يجهلونه عن الشعب الفلسطيني، كما آمل أن يساعدهم هذا في كسر الصمت الذي يوصم بعمق هذه الأمة.
آمل أن أثير فتنة فلسطين وأن أقاوم أيضا من خلال الكتابة وأن أناضل كي تبقى فلسطين تتنفس. يمكنني الآن أن أسمع جدي يحدثني طوال تلك السنين، لكنني لم أتيقّن إن كان ذلك فقط من خلال الكلمات التي ملأت المنصات وصفحات مذكراتي.

جدار يُجهز على أنفاسنا

ساعة من الوحشيّة كل يوم
تُسيّج القلوب التي بالكاد تنبض.
خفقان الأوراق في حدائقنا الجافة،
الحرارة في غزة وأريحا
تُعيد لنا الأحلام التي لم يتسع الوقت أبداً لنتذكرها.
عجوز تحاول النجاة بأي وهمٍ يُراودها،
وأخرى تفكر بزوجها الذي لا تذكر أين فقدته.
رجال لا يجيبون نداءاتنا عندما ننادي بأسمائهم.
مشغولون جداً، يحاولون اجتياز نقطة التفتيش
والجنود هذا المساء، تارةً يحتسون الشاي
وتارةً يتحدثون عن حظر تجول النساء
وعن الأطفال الذين دفنوا
بينما تحتارُ أمٌ،
ماذا ستقول لطفلها الذي تتمنى ألا يرى النور؟
لقد مررنا بأحداثٍ دامية في أكتوبر
وتكرر الأمر في الأشهر التالية.
الشوارع التي نسير فيها
تُذكرنا من نحن؟ وما عجزوا عن القيام به؟
نسينا أن ننظر إلى البورتريهات في الزوايا
نسينا أن نلمسها
وتلك الصور الملصقة على الجدران
تبدو وكأنها لا تنتمي لأي مكان.
عريس وعروس أجبروا على الزواج
لا يهم في أيّ مكان ولكن حيث ينبغي،
وما نزال نتساءل:
أيّ نصر سيعصف بالشموع
وأيّ بحر سيخاطب آخر.
حتى لو رفعوا الجدار عالياً
حتى يمنعوننا من بلوغه
فإننا لا نعرف سوى وطن واحد
حتى لو سلكنا في كل مرة طريقا مختلفاً
ستقودنا الأشجار، ستقودنا الرياح
ستقودنا الشمس، سيقودنا القمر
وعندما نصل سنجد الكتب
التي لم نتمكن من قراءتها
أعمال التطريز التي قامت بها اللاجئات
المطبخ حيث كانت تسير حياتنا
عرض زواج، ميلاد طفل، موت
وكما كنّا نحتسي قهوتنا كل يوم
ونتبادل التحيّة كما ينبغي،
سنطارد الجدار من أنفاسنا.

2

والد ماهر سليم الأطرش

كان في الثامنة والستين من عمره
كانت الساعة العاشرة مساء.
منزل من ستة طوابق
يضم ثلاثة أجيال
في بيت لاهيا، غزة
قدِمت خمسة وعشرين دبابة
قالوا: فليخرج الجميع من منازلهم
وبعد ثلاث دقائق
هرع الجميع إلى الخارج.
صرخت ابنة أخيه:
عمي أطرش
وهو نائم في الطابق السادس.
لم يبق شيء سوى صوت الديناميت.
كانت التاسعة صباحا
عندما عثروا على يده
تمسك رسالة في قبضتها؛
لستُ أطرش
لكن يبدو أن العالم كذلك.

****

ترجمة عن الإنكليزية : نور طلال نصرة