الأربعاء 17 تموز 2019 | 7:30 صباحاً بتوقيت دمشق
أحمد محمد السح

جُبناً أم ترفّعاً... أفُلَ المسرحُ الشعري؟

جُبناً أم ترفّعاً... أفُلَ المسرحُ الشعري؟
سعد يكن (1950) فنان تشكيلي سوري
  • الجمعة 8 آذار 2019

تطالعني اليوم الكثير من الكتب المسرحية التي يجري جمعها وتوثيقها في إذاعة دمشق السورية بهدف تسجيلها والاشتغال عليها، ومن بين هذه الكتب نقف أمام الكتب المسرحية الشعرية عاجزين، فهل من الممكن تنفيذها؟ نعم، من السهل تنفيذها إذاعياً ولكن من الصعب اليوم تنفيذها على الخشبة!
تعود بنا المعلومات إلى المسرح "الشكسبيري" الذي هو أصلاً مسرحٌ شعري، ونعود أكثر إلى أصول المسرح اليوناني لنجد أن "سوفكليس" و"أسخيلوس" أسسا شعراً مسرحياً، ومن المعرف ارتباط الشعر بالدراما-المسرح منذ تأسيس الفن المسرحي، وبالعودة إلى النهضة العربية سنجد أن المسرح دخل شعرياً، مسرح أحمد شوقي، وحتى أن أبا المسرح السوري "أبو خليل القباني" كتب نصوصه المسرحية مليئة بالشعر المؤلَّف أو المحفوظ والتي تعتمد في نثرها على السجع والتقفية، كوسيلة لجذب الحالة السمعية الاصغائية عند الجمهور، وتكررت التجربة في كتابة المسرح الشعري بشكل متواتر، حتى بداية التسعينات من القرن الماضي أو ربما قبل ذلك، فكان الشاعر يريد أحياناً أن يطوع لغته الشعرية ويحولها إلى لغة درامية ويكتب نصوصاً مترابطة ومحكمة تقول شخصياتها الشعر والشعر وحده، فالراحل ممدوح عدوان بدأ تجربته الأدبية كلها بمسرحيته الشعرية "المخاض" التي يلخص فيها سيرة البطل الشعبي "أبو علي شاهين" – بطل فيلم الفهد ورواية حيدر حيدر وديوان سيغاتا لمحمد عمران – وقبله كتب محمد الماغوط "العصفور الأحدب" ودون تخطيط للشعر أو المسرح ظهرت لدينا مسرحية شعرية أو قصيدة متعددة الأصوات، لا تعتمد الوزن والقوافي إلا أنها تعتمد على الجملة النثرية المعجونة بالدهشة حد الشعر، وعمل على هذه التجارب نذير العظمة حين أصدر ثلاث مسرحيات شعرية بعنوان "الأرض" في الثمانينات، واعتمد فيها على الوزن الفراهيدي والكتابة "التطويعية" للجملة المسرحية لتصير حواراً مسبوكاً وحبكة درامية وحدث، وهو بذلك اتكأ على التجربة أحمد علي باكثير، وأحمد شوقي وحافظ ابراهيم، لكنه حدّث الموضوعات ففي حين اعتمد المذكورون على التراث الشعبي العربي والسيرة التاريخية، جاء نذير العظمة بالموضوعات التي تتعلق بالقضية الفلسطينية والارتباط بالأرض وقضايا المرأة وهو ما يلامس حداثة الزمن الذي كتبت ونشرت فيه.
يكاد يختفي اليوم في سوريا إصدار الكتب المسرحية وخاصة من قبل الكتاب الشباب، تجارب قليلة هنا وهناك، ومن يكتب للمسرح يكتبه للخشبة على الفور، ليخضع بشكل مباشر لعمليات الإجهاض بمعدات المخرج حتى يخرج جنين آخر مختلف عن الهدف الذي بسببه صارت عملية "التلاقح" الكتابية الإبداعية، وهذا جانب آخر وبحث مطول، ولكن من ضمن الإصدارات هناك كمٌّ منفلت من الإصدار الشعري، الذي يكاد يكون شبه يومي، والذي يحتاج إلى سنوات لابتلاعه وتقييمه والاتكاء على الناضج منه في رسم صورة المرحلة شعرياً؛ ولكننا لا نجد في هذا الاشتغال الشعري أبداً إلا القليل من الوزن والقافية، لأسباب عدة منها الابتعاد عن الوزن لاعتبارات القيد والحرية، ومنها لعدم معرفة معظم من يكتب الشعر اليوم بأصول الوزن والقافية واستسهال كلمة الشعر بقرنها بالخاطرة، ولهذا لا نجد أبداً أي منتج شعري منذ أكثر من ربع قرن كتب بصيغة مسرحية، أو مسرحية كتبت بلغة شعرية، باستثناء كاتب هذا المقال الذي حاول في مجموعته المسرحية "بلا سقف" مناصرة الشعر في المسرح لا كتابة المسرحية الشعرية، وعليه يجب الانتباه إلى هذا التفصيل المهم لنسأل أنفسنا هل من الصحيح كتابة مسرحية شعرية اليوم، وجعل القصيدة أو الشعر يجري على ألسن شخصيات يفترض أنها تعيش حدثاً درامياً وتتصارع، للوصول إلى عبرةٍ ما، وألا يشكّل ابتعاد المسرح عن الشعر، وجهاً تكثيفياً لابتعاد الجمهور بالمجمل عن الشعر؟ فالمخرجون لا يحبون الشعر، والجمهور لن يقبل أن يجلس لحضور مسرحية يقول أبطالها حواراتهم شعراً لأنه لا يريد – أن يفكك الألغاز والطلاسم – وهل يجبن الشعراء اليوم عن الوقوف أمام مرايا تجربتهم لمحاولة طباعة مسرحية شعرية، أم أنهم يأنفون هذه التجارب حتى أنهم لم يكلفوا أنفسهم الاطلاع عليها.
إن كان المسرح الشعري "رديئاً" وغير ذي نفع فليتجرأ الجميع على تصفية هذه النموذج التركيبي لفنين كانا في الأصل فناً واحداً، ولتترك هذه المسألة فيما صدر منها حالة أرشيفية في متاحف المنتج العقلي الأدبي العربي، أو ليعاد إنتاجه بشجاعةٍ وروح جديدة وتجربة مختلفة حتى نستطيع تقييم الجديد فلربما ولدت تجارب صنعت انعطافة هامة يُستند عليها في أيام التهتك والعصف التشويهي بالثقافة.