الأحد 4 كانون الأول 2022 | 6:2 صباحاً بتوقيت دمشق
أوس حسن

ليسَ حُباً بل دُعابة لـ محمود وهبة : كتابةُ الأوكار والدهاليز المظلمة

ليسَ حُباً بل دُعابة لـ محمود وهبة : كتابةُ الأوكار والدهاليز المظلمة
غلاف المجموعة
  • السبت 22 تشرين الأول 2022

يعيش الشاعر أقسى أنواع الوجود وهو يرى الحياة الحقيقية تتسرب من بين يديه، الوجود الظاهري ليس ملكاً للشاعر، ولم يكن من أولوياته، لكنه دائماً يبقى مُداناً بعذابات هذا العالم، وسجيناً في متاهة الصرخة الإنسانية المدوية، وغريقاً في ليل الدموع الذي يكرر نفسه بلا معنى. والحياة برمتها كذلك لا معنى لها إن لم يستنطقها الشعر ويسبر أغوارها السحيقة. هكذا هو الشاعر هنا ملاك عابر أو إله معذب فاقد القدرة في عالمنا، ذاك العالم الغارق في الماديات والمحسوسات حد الثمالة، والسائر بنشوة إلى أقاصي الفوضى والانهيار.
بانعدام كل قيمة حقيقية يستند إليها الإنسان، وبموت جميع الآلهة والمقدسات يعمل الشاعر دائماً على تصويب انحراف العالم، إما بالتدمير أو بالخلق المتجدد، والسؤال، أين يكمن معنى الألم عند الشاعر؟ إنه في تلك الطاقة التي تعمل على استفزاز حيوات منسية في داخلنا، وفي أشياء مهملة تتلاشى في حركة الزمن.
"ليس حباً بل دعابة" هو عنوان المجموعة الشعرية الجديدة للشاعر اللبناني محمود وهبة، الصادرة حديثاً عن دار النهضة العربية في بيروت ضمن سلسلة أصوات الشعرية. في هذه المجموعة نرى الشاعر وقد استند إلى مفارقات تنوعت بين الدهشة والكوميديا واستنطاق الأشياء المنسية في الذاكرة وفي التفاصيل اليومية، وهناك بعض المقاطع التي كان لها طابع الصيرورة والتحولات انطلقت من إيمان الشاعر باللغة وما توفره من انزياحات استثنائية خارجة عن المألوف. الدعابة بقدر ما تظهره لنا من مرح وخفة، بقدر ما تخفي في أعماقها ألماً ورعباً. يغذيه التخلخل والتناقض بين الذات والموضوعات الخارجية، لذا تجنح السخرية هنا إلى أن تكون تأسيساً للوجود، وهي لا تشمل فقط ما هو ملموس ومحسوس، وإنما تنزع لأن تفرض سلطانها على كل ما هو ما ورائي أو ميتافيزيقي.
يقول وهبة: "يسألني الصوت/ ماذا خلف تلك الغيوم؟/ هل الأرواح التي غادرت منذ مدة؟/ ملائكة تردد تسبيحاً للغريب عن المكان/ ماذا فوق العرش؟/ ربما جورب.. حمالةُ صدر ومنشفة". بهذه السخرية العميقة التي تحطم كل مقدس وتنزع عنه كل سلطة، وتجعله دمية أو أضحوكة بيد الإنسان.
يُكمل الشاعر مجيباً عن تساؤلاته: "سجلات للخطايا/ صرخات معذبين/ لم يدركهم على الأرض/ إله". الصرخة وحدها تجعلنا نحيا، ليعبر الألم عن احتجاجه وعصيانه، وليجادل الإله عقلياً في شرعية وجوده وماهية فردوسه الموعود، والإنسان منذ الأزل ما زال يكابد العذاب على هذه الأرض.
يصطاد وهبة تفاصيل دقيقة في حياتنا اليومية ويعيد خلقها في صورة مركزية ورئيسة في حياتنا. يقول في قصيدته التي أهداها إلى الشاعر الفلسطيني الراحل يحيى حسن: "إليّ أيها السواد الخارج من خوف/ أيها القلب العالق في كأس/ أيها الضباب القابع في رئة مدخن/ إليّ أيها القلب المبحر في سفينة/ أيها الظل بعد قهقهة/ إليّ أيها العابر بخفة ملاك وحشي/ إليّ يا موتاً سريعاً في غياب".
إن إعطاء اللون والحركة لمفردات مثل، الخوف والظل والقلب والملاك، وسبكها في استعارات لغوية مجازية، دليل على قلق الشاعر من فكرة الفناء أو العدم، وما استنطاق الموت ومحاورته في غياب مقبل إلا صرخة في وجه الزوال والنسيان، حيث لا يريد الشاعر هنا إلا أن تبقى نبوءته من بعده، أو فكره المتقد للأجيال القادمة.
لو أخذنا مثلاً مقطعاً مثل "أيها الضباب القابع في رئة مدخن" يعطينا صورة مكررة في حياتنا اليومية وفي لغتنا المحسوسة، في المستشفيات وتقارير الأطباء، لكنها غير مسبوقة شعرياً ربما. فمن هو الذي فكّر أن يحاور دخاناً في رئة المدخن، وأن يعطيه دفقاً شعورياً، أو إحساساً بشرياً بالحياة؟ هذه لفتة مهمة. لم يكتفِ الشاعر محمود وهبة بأن يصطاد ما هو عابر ومنسي في حياتنا، وبأن يخلق من اللحظات الهاربة حياة كاملة، لكن تتملكه روح ضاجة بالأسى، متمردة على منطق الأشياء والعادات والقيم. لهذا نجده وكأنه تحدوه الرغبة الجامحة في المضي أكثر بحواسه إلى الأوكار والدهاليز المظلمة، إلى كل ما هو منبوذ ومحرم ضمن العرف البشري والأخلاقي، ليكشف لنا إنسانية المومس، ويحدثنا عن ألمها المقدس وانكساراتها، عن نبوءتها المتوارية خلف ستار القبح والاشمئزاز. يقول وهبة: "تُعيرنا المومس جسدها / كل ليلة حتى ننسى/ تُعيرنا انكساراتها وذاك الصراخ الأخير/ لا تشبع المومس/ قبل أن تخرج منك إناثاً وحشرات/ قبل أن تتكاثر وترجع إلى ندمك / المومس حنجرةُ الله/ ورزنامةٌ لخياناتٍ قادمة".
يحاول صاحب "غلامٌ يطاردُ مجرة" و "سيرة الأعرابي" في مجموعته أن يؤسس كينونة مختلفة للإنسان تمنحه الثبات والاستقرار في زمن التلاشي والمحو والموت المجاني، كل ما هو عابر وهامشي في حياة الإنسان، يخفي تحته أعمق المعاني التي تستحق أن نحيا من أجلها، وأن نعيد معها خلق العالم وصياغته من جديد، وبهذا تدوي في أعماقنا رغبة البقاء وصوتها المجلجل ضد إرادة العدم. يقول: "هل من عمر لهذا الموت المستلقي على الجدران/ العكاز طريق الأعمى/ قنديل الأعمى/ العكازُ حياة".

المصدر: القدس العربي