الأثنين 3 تشرين الأول 2022 | 8:42 صباحاً بتوقيت دمشق
الشيماء خالد عبد المولى

كائنٌ بقلبٍ طريّ

كائنٌ بقلبٍ طريّ
ماريا بلانشارد (1881-1932) فنانة إسبانية
  • الأحد 28 آب 2022

تدقُ السادسة مساء
تنظرُ من نافذة حجرتها
تُودّع الشمس الدافئة، تضحكُ لها الشمس
بلطفٍ وتهمس: انتظريني غداً..
ترمقُ ألعابها ملقاةً على الأرض
الدمية الحسناء
لعبة الـ puzzle التي تعيدُ بعثرتها وتركيبها
مرّاتٍ كثيرة دونَ ملل
والمطبخُ البلاستيكي الصغير
الذي أحرقت فيه آلاف
الطبخات
تقفُ ترمقها، والحماسةُ في عينيها
كأنّها تودُّ اللعب بلا توقف
لكنّها السادسة مساء..
هذا التوقيتُ العنيد.
العشاء ينتظر
والألعاب كذلك تنتظر، فأيّهما تريد!
تنزلُ الدرج
بقدمين صغيرتين غاضبتين
تضربان على الأرض
تنزل وتجلس، لتغرقَ في هذا الهدوء الجميل
في هذا المساء الطويل..
تجلسُ على المائدة، لا شيء يُعجبها هنا
تجلس تُفكر، تُفكر في ألف شيء وشيء
تُفكر في طعم الخضار الموضوعة أمامها
والألعاب التي تركتها تنتظرها
وكم من الوقت سيمضي
حتى يطول شعرها القصيرُ أكثر
ويوم ابتلعتْ بالخطأ بذوراً من حبة برتقال
فاعتقدتْ بأنّها ستصير شجرة..
وراحت تنتظر
أن تنمو الفروعُ بداخلها
وتتحوّل أطرافها الصغيرة إلى أغصان
قالت حينها
أنها ستسمح للجميع بالأكل من برتقالها
عدا لويزا؛ صديقتها المتنمرة
ظلت تُفكر
تأرجحُ قدميها
صحنها لا يزالُ ممتلئاً
بينما تجلس فارغةً من أيِّ فرح
ومن كلّ الأسئلة الموجودة في العالم
سألتْ
ألا يمكنُ أن يُخلّصني أحدهم من طبق الخضار هذا؟
نظراتُ أمها الرقيقة ملتصقةً بها
أنْ أنهِي ما في يدك
الوقتُ لا يتمهل
بل يُسرع في المضي
تحتار.. ماذا تفعل!
فيطيرُ خيالها بعيداً
ودون أن تشعر
تُكمل صحن الخضار كله
تمضغ بغير انتباه، بينما قلبها هناك
يقفزُ مع الألعاب
يا لها من حياةٍ صعبة
تصعدُ الدرج، تُردّد:
أن تتركَ قلبكَ مع من تُحب
وتُرغَم على فعلِ ما لا تُحب
لكنها الحياة
لا تستشير
بل تأمر وتأخذ أضعاف
ما تُعطي
بعد أعوام، دقّ الحزنُ باب الطفلة
كأيِّ حزنٍ
لا يستأذن من أحد، بدون اكتراث
يستلقي على الكنبة
بساقين طويلتين تعيقان مسيرها
وذراعين
تصلانِ لأعلى السقف
يلوّحُ بهما
في ضجر
تراهُ أمامها جالساً، تتركه
تدخل حجرتها، فيتبينُ لها مرتسماً
على وسادتها بثبات
تتركه
تتجه إلى الباب، تشدُّ على المقبض
فيصافحها بحرارة
متمنيّاً لها نهاراً جميلاً
تتركه
وتمضي
تشعرُ بثقل في كتفها، تلتفت
فتراهُ جالساً على كتفها بارتياح
في قلبها أيضاً، وبين خصلات شعرها
وفي وجهِ البقال المبتسم
القريب من بيتها
تجده
وبين القصائد في دفاترها
وممزوجاً مع الألوان في لوحاتها
يصافحُ أصدقاءها مكانها
ولا يرضى بغيرها صديقة
تمشي فيعدّ خطواتها ويمضي معها..
تبتسمُ فيضحكُ لها..
تجلسُ فيأتي نحوها..
تنامُ فيحكي لها قصصاً لا يحفظها غيره..
يا لها من حياة صعبة
أشياءٌ كثيرة ماتت
وأشياء أخرى كثيرة انتظرتها لتحيا
لتعود..
امتصّ الحزن كلّ الفرح
كلّ السعادة من قلبها، وأخذه من صدرها
واضعاً مكانهُ حجراً
فاستشعرتْ ثقله..
وصارت لا تريدُ سوى أن تعيش
بحزنٍ قليل.
تمنّتْ أن تعود الحياة سهلةً
سهلة كصحنِ خضار
تبتلعهُ كله والمزيدُ منه
وتشربُ معه هدوء الحجرة المعتاد
بانتباهٍ شديد
وفرحٍ غامر
وألعابٍ تنتظرها في حجرتها
تمنت أن تعود كما كانت
أن تعود كائناً
بقلبٍ طريّ.