الأثنين 3 تشرين الأول 2022 | 8:32 صباحاً بتوقيت دمشق
كريم أحمد

البيوت تبقى

البيوت تبقى
جزء من عمل للفنان السوري الراحل نذير نبعة ( 1938-2016)
  • الجمعة 26 آب 2022

البيوتُ ليست كائنات ساكنة
والبيوت التي نغادرها، تمشي إلى غير اتجاه، وتعرّش نحو مزاج آخر..

كلّ بيتٍ نغادره، يصير قميصاً في خزانةِ العمر، والعمرُ منقلة من الجمر، تحرقنا من غير دفء، وتذرينا فوق الرماد.
فمن يغسل قمصان العمر من ذاكرتها؟

ربطوا البيوت بأشكالها، فصارت البيوت عقدة من بكاءٍ يجرّ البكاء...
ولم يدركوا أنّ البيوتَ أطفال الأمهات.

وأنّ البيوت تبقى أطفالًا إلى أن تغادرها الأمهات.

تغريني لُغة البيوت.
لا يهمّ أكانت بسيطة، باذخة، معقّدة، فوضوية، دقيقة الترتيب... أنيقة، هادئة، مليئة بالضّجيج، مهما تكن..

يغريني إيقاعها، رائحةُ الحكايات التي تأخذ حيّزها من الباب إلى الكنبة، والصّور المُنتقاة بإطاراتها وتصميمها، إلى الأشياء التي تمدُّ برأسها خُفيةً اتجاهنا، كجوربٍ هاربٍ تحت كرسي هزاز، كبقايا بسكويت بالقرفة والزنجبيل على سطح المكتب.. كأثر خربشةٍ على الستارة..

أدركتُ طفلا أنّ البيت كائن حيّ، وتصلني به قرابة لجهة الأم، وأحيانًا كنتُ أفكر أنه لربما كان بيتنا أخي غير الشقيق.

وأنه لو أهملنا قطعة منه، لتسببنا بجرح غائر في روحه.

كنتُ سأقولُ أنّ البيوت البسيطة أكثر جمالًا وسحرًا، وأقلّ ثقلًا على الروح والبصر.
لكنّي تذكرت أنّ البساطة ليست سهلة، وأنّ التمتع بمهارة اتقانها قد يتطلّبُ عمراً من الفوضى.

أميلُ للبيوت الدافئة، غير الفائض أثاثها عن الحاجة.
أميل للهندسة الفطرية، وللأشياء التي لم يمسّها الدهان وترف الزيادات والحشو.

لا أطيق بيتاً محشواً بالأغراض والأثاث ومومياءات التحف، ولو أنني هجرتُ القراءة، فإنه لن يكون أجمل ما أراه سوى الرفوف التي تحضن الكتب. أحبها في كل زاوية، وعلى كل حائط وجدار..
لو أننا جعلنا الجدران بيننا مصنوعة من الكتب، ألم يكن لأصواتنا أن تصل إلى أعماق بعضنا الآخر بوضوح وجمال؟

البيوتُ أطفال...
تحتاج أن تُحمّم بصابون الخزامى، أن تُمشط، وتُنسّق، ونرندح في أذن طفولتها الأغاني كي تشب على اللطفِ.

من يُثقل طفله بالأغراض والإكسسوارات والتحف؟
من يُثقل طفله بالسلاسل، فلا يكبر، ولا يحبو، ولا يمشي..