الأحد 11 نيسان 2021 | 4:57 صباحاً بتوقيت دمشق
يوسف سامي مصري

لم يتبقَّ في كفيكَ فراشات

لم يتبقَّ في كفيكَ فراشات
Edward Hopper- إدوارد هوبر (1882- 1967) فنان تشكيلي أمريكي
  • الجمعة 25 كانون الثاني 2019

هو البحر إذاً
يسفحُ مساماتكِ
كاشفاً عورة الملح فيكِ،
فأي قرابين ستقدِّميها للموج
لتعود إليكِ مودَّة الزَّبَد.
البحر الذي لجأتُ إليه
لأصبغه بلون شكواي،
ورَّطني
سحبني لغرفة نومه
وقصَّ عليَّ أحزانه بالترتيب
وبطء الأيام
في خاصرته الرخوة.
يبدو فضاء غرفتي اعتيادياً:
برودة بلون الغياب
وغياب يرتّبُ الزمن القادم
أما أنا
فأتملَّق حبيبتي
لِتُبقي رائحتها قريبة مني.
لم يتبقَّ في كفيكَ فراشات
لأمارس الرحيق
كما أشتهي.
لم يبقَ في عورتكَ
ما يغوي روحي
بارتكاب العِفَّة
أو أشياء تشبه الحب
أعود وقدماي فارغتان
من كل المسافات التي رمَّدتني
وأنا أدوُّر اشتهائك.
الباحاتُ الخارجية لقلبي
لم تدخلها العتمة
وليس عندي نور يكفي
لإيقاظ حبيبتي.
سأمرُّ على السّحاب
أنا حبيسُ الغياب
ليس في دفتري مطر
ولا أعشاب
وفي مخيلتي
مَلَّت الصورة فيض الرَّتابة.

***

بحر سقطت عنه أمواجه
وحيداً هو الآن مع السكون ينتظر الزبد
يعربدُ مع الماء أغاني الغرق
يرسم ميناء ورصيف ومهاجرين
ينزف تلويح المناديل
لا شيء سوى المسافات الرخوة
تذوي وتذوي
ولا تطير النوارس.
خذ دقيقتين واعبر:
أنا العاشقة المثلومة بك
مزَّقتُ وجهكَ
بكل شحَّار المدينة
خذ دقيقتين ...ولا تعبر، لا تعبر
ابق لتحرس شوقي المقدّدَ إليكَ
ونم قربي لأطوُّل أظافرك
لألهو بك
لأضمكَ
وأنتَ تهرب من ثيابي شوقاً.
***
خذني إليكَ
واتركني عند باب مفرداتكَ
أنا أتقن الدخول فيك
حتى لو كنتَ غياباً
أو موتاً مجرداً من الاكتظاظ.
ألستُ أنا من لوَّنت أصابعك!
ونسجتُ لك فجراً طازجاً
وردياً بلون نهديَّ .
فلماذا لم تحبني
ولم تنسج حضورك قرب وحشتي
وعكَّرتَ هواؤكَ المتخثِّر في رئتاي.
دائمة الحضور
دائمة الغياب.
كأن روحكِ علقت بثيابي
لا بأس بشيء آخر
يضفي عليَّ
وجعاً
لفرط شفافيته
يتعبني بترتيبه المتقَن.

في حضور الرَّبِ
أو أعلى قليلاً
توِّجيني حنيناً للحور
و اهمسي للظل
بقيامة الرب فيكِ.
خُذي مسافاتي
واعبري خطوات البنفسج لقلبي
وإذا ما خانكِ البنفسج
و تفيَّأ قامتكِ - كروحي-
فلا تعبريه...
فهنا يسكن آخر بوحي
وهنا شوقي العنيد
وهنا رائحتكِ الملتصقة بثيابي
دائماً تمد يديها
حاملة الرحيل
صانعة فضاء العزلة
أما أنا
فأتقن الحزن
وأتدثر ياقتي
وأنا أتقي هطولكِ المبكر.

لا تبكِ قرب قبري المعوج من فرط استعجالي بالموت
أنا أتقن ترتيب موتي بالوضيعة الأنسب
لاستقبال الخواء والعتمة.
ما يزعجني في موتي المزدحم كالمشافي العامة
هو النقص الحاد بأكياس القمامة والحنان .
لا تبكِ قرب قبري المعوج
فأنا أتقن الموت
وأجد في زحام الأبدية ضوء
يسرج ظله في رئتاي
ويعيد لي ما تخرب من عظامي.