الأربعاء 23 حزيران 2021 | 1:56 مساءً بتوقيت دمشق
عمر الشيخ

تشتـــهيني شــــوارعك

تشتـــهيني شــــوارعك
شجرة في المتحف الوطني بدمشق - تصوير: د. ش
  • السبت 3 نيسان 2021

تفترق اللقاءات عن بعضها، وتقلب الكراسي رأسها إلى الأرض، في حين يشتمنا الرصيف من عنف خطوتنا، تلمحنا صور سينما الكندي، وسكة القطار ذكرى مرت من فوقها حقائبنا، لا شأن لنا بمؤسسة الكهرباء، فالحاجز الإلكتروني هناك لن ينتظر عبورنا نحو انتحار سري هرباً من الوداع...

جسدان في مشهد خرافي للصمت، الأفواه تضرب بعضها بالاكتناز، وجواز السفر على طاولة للضجيج وورق اللعب، أحد ما يستعد للاختفاء، أحد ما يهدد الآخر ثم يهدد الحبّ، وأحد ما يكتب نص الأنثى الجديد، يكتب الغياب كأنه طلقة الرحمة... جسدان في مشهد صامت، يمشي الرجل نحو ذاكرته وتسحب الأنثى آخر أوراقها، يلتصق الحنين بأحزانه ويغادر القلبين معاً بعد أن يكتب على حائط الشهوات: لا معنى للأمكنة.. العشاق هم بوصلة الجغرافية...

تتحول البلاد إلى شعراء وقتلى، وأتحول معها إلى مصوّر انكسارات وخيبات...

المسافة القريبة أكثر نحو الحجاز تعيدني للقرطاسيات النرجسية التي يكتب الجلاد بها أمجاده، أي عربة متوقفة منذ زمن جمال باشا السفاح يمكن أن تنقلكِ بعيداً عن كل هذه الجديّة والحبّ المفرط؟ أي أرصفة تستطيع أن تتحمل توتر خطواتك قرب المتحف الوطني، يهتز التاريخ تحت وطأة مسرحياتنا عن الإخلاص والشهوة والسينما والمقاهي الفاخرة وشبكات الوايرلس الخفية؟

لا أنام إلى جنب البطولات والأمجاد، فهنالك الكثير من شباب الكوبا يمكن لهم أن يمارسوا تلك الأدوار، لي عالمي الذي من هباء وأغنيات طويلة، ولي زوايا في الشوارع الخجولة إلى يسار أوتوستراد العدوي، لي أيضاً كتيبة كبيرة من النارنج والليمون والأحزان، ولي على سريركِ بعض شعراتٍ لا يشبهن حدائقي...

تفوح من صدري شتلات خصبة للحنان، وفمك يدرك حقيقة ذلك، لكني إلى الآن لا أحب الجديّة ولا أفكر أبداً بشيء، أنا فقط أفعل ما يحلو لي في شوارعي، لذا كل ما مررت من قرب بيتك تشتهيني شوارعكِ التي آن لها أن تكره الرتابة والتنظيم والفوضى والأخلاق الحميدة وكلام الناس وخطط الحمية الصحية ضد الانتفاخ الوريدي من شدة الحنين أو الحب أو الاشتهاء المرير...

أدوّن تقاطيع المشهد مرة أخرى، بين سينما الكندي وساحة القصور، كيف أجمع خسائري الصغيرة ولا زالت كاميرا التصوير تستعد لرسم ملامح الأرصفة والطرقات والكائنات المفتعلة لأكتشف كيف تستطيع شوارعكِ أن تشتهيني وأنا في كل هذا الغياب لا أعرف عنواناً لها ولا أتقن تفصيلاً في كادرها الفوتوغرافي المنسي هنا على قرب مساحة دوخاني...

من كتاب: قبل أن تمتلك الأرض - يوميات شعرية - دمشق 2019