الأحد 11 نيسان 2021 | 3:6 صباحاً بتوقيت دمشق
معتز حرامي

ديان دي بريما؛ امرأة نادرة بين البِيتْنِكْس، شقّت طريقاً نحو رغباتها الخاصة

ديان دي بريما؛ امرأة نادرة بين البِيتْنِكْس، شقّت طريقاً نحو رغباتها الخاصة
Diane di Prima 1934-2020 - ديان دي بريما - شاعرة أمريكية
  • السبت 3 نيسان 2021

بقلم: كارينا ديل فالي شورسك

ربما كان من دواعي سرور "ديان دي بريما" أننا لا نستطيع الحصول على "رسائلها الثوريّة" من خلال الاستسلام لجشع موقع أمازون. فالكتاب لم يعدْ ينشر. بدلاً من ذلك؛ وبعد وفاتها، ظهرت فجأة قصائدُ فرديّة من سلسلة مدى الحياة، في قسم آخر الأخبار الخاص بي على مواقع التواصل الاجتماعي، بين التغريدات الرئاسيّة وصور عنف الشرطة. وهذا لا يختلف عن كيفيّة تداول القصائد لأول مرة في أواخر الستينات وأوائل السبعينات مع خدمة أخبار حركة التحرير، باعتبارها منشورة في الأوراق المجانيّة.

لطالما أحبَّت "دي بريما" صياغةَ "عزرا باوند" - "جميع الأعمار معاصرة" - وفي الآونة الأخيرة بدت قصائدُها تعبرُ عن الحاضر تماماً: تحذر "الرسائل الثوريّة" من "الحكاية التي تُروى غالباً" في أوقات الأزمات، "يجب علينا الآن أن ننظم، وأن نطيع القواعد، حتى نتمكن لاحقاً من أن نكون أحراراً".
لم تكن "دي بريما" من ينتظر التاريخ ليسمحَ بالحريّات التي أرادَتها. بلغت سن الرشد قبل الحركة النسائيّة، في عائلة إيطاليّة من الطبقة المتوسطة، تحكمها أدوارٌ جنسانيّة تقليديّة. هربتْ من بروكلين إلى هانتر، المدرسة الثانويّة للطلبة الموهوبين في مانهاتن، إذ انضمت إلى حركة - "التمرد ومعظمهم من المثليين" - من بينهم أودري لورد. في عام 1953، عندما كانت في الثامنة عشرة من عمرها، انتقلت إلى إيست فيفث ستريت للكتابة، وعملت في وظائف صغيرة لدفع الفواتير.

من الأفضل أن نتذكر "دي بريما" على أنّها شاعرة من حركة جيل البيت الأدبيّة، وهي واحدةٌ من عددٍ قليلٍ من النساء في مشهد مرتبط بالتعاويذ المتهورة ونصف المجنونة لـ "جاك كيرواك" و"ألين غينسبيرج" و "ويليام س". إنها ثائرة بوهيميّة في أسلوب الحياة والنمط، قبل عقد من الزمن من تأسيس الهيبيين للثقافة المضادة السائدة. تصِفُ كتابات دي بريما المفصلة عن حياتها ("مذكرات البيتنك" من عام 1969، و "ذكريات حياتي كامرأة" من عام 2001) كيف وجدت لنفسها مكاناً في متاهةٍ وسطَ المدينة؛ من نوادي الجاز وحاناتِ المثليّات والأحداثِ والاحتجاجات.

اقتحمت "دي بريما" ما كان في الغالب محادثةً بين الرجال بجرأتها المطلقة، عندما أرسلت كتابها الأول - "هذا النوع من الطيور يطير للخلف" - إلى الشاعر والناشر لورانس فيرلينغيتي، الذي كتب المقدمة والذي كانت صحافته المستقلة، أضواء المدينة، قد أصدرت مؤخراً كتاب "غينسبيرج" الذي جابَ العالم "عواء". وتذكر دي بريما في "ذكريات" أنها لم تكن تدعى في كثيرٍ من الأحيان للقراءة جنباً إلى جنب مع أقرانها، على الرغم من دورها المركزيّ في ذلك المجتمع كشاعرةٍ ومخرجةٍ مسرحيةٍ ومحررة.

وفي عام 1961، أطلقت خدمة طلب عن طريق البريد مع أميري بركة (المعروف آنذاك بليروي جونز)، وكانا عاشقَين لعامين ونصف. كانتِ الرؤية التحريريّة تعاونيّة حقاً، لكنها تذكر أنها دائماً ما كانت تُترَكُ لها الأعمال اليدويّة من قصٍّ ولصق.

بدت هذه اللامساواة وكأنّها "مشكلةٌ في المنهج" لدى بريما، لذلك عملتْ على حلّها. وعندما كانت في الثانية والعشرين من عمرها، أنجبت طفلاً خارج إطار الزواج. "في ذهني، كان "الأب"علاقةً أسطوريّةً غيرَ جوهريّة" لم تقدّم الكثير لإلهام السلوك المسؤول لدى الرجال الذين كانت تعرفهم. لذلك، كتبت في "ذكريات"، "الطفل الذي أنجبته" - جين دي بريما - سيكون طفلي وحدي.
من المغري اعتبارُ "دي بريما" استثناءً خارقاً للمألوف لقاعدة منتصف القرن، لكنها ذكّرتنا بعناية أنه كانت هناك استثناءاتٌ دوماً: لقد انجذبت بشكل خاص إلى "مغنيات البلوز: سارة مارتن وتريكسي سميث "اللواتي غالباً ما توجب عليهن" أن يكنَّ أمهاتٍ، ويختفينَ، ويمرضنَ" في الفواصل العاصفة بين الأبيات، النضالات اليوميّة التي كانوا ينسجونها مرة أخرى في الموسيقى. تعلّمت كتابة "قصائد نموذجيّة يمكن إسقاطها والتقاطها" بين الالتزامات الأدبيّة ورعاية الطفل. وعندما طُلِبَ منها صياغة بيان جماليْ، كتبت دي بريما: "تكمنُ متطلبات حياتنا في الفن".

حتى الوقائع المؤلمة كانت فرصاً للاكتشاف الإبداعيّ: أرادها بركة أن تجري عملية إجهاض في المرة الأولى التي حملت فيها - كان لا يزال متزوجاً من هيتي جونز. وافقت على مضض، وقررت في النهاية أنها "يجب أن تختبر كونها الخائنة" من دافعها للحفاظ على الحمل. اعتبرت الإجهاض تجربة مريرة لكنها ضرورية، وطريقة "لمواصلة الكتابة" في منطقة نفسيّة مجهولة. ساعدها تحديدُ اختيارها على أنّه فني، في تحويل رحلة الحافلة الوحيدة إلى عيادة تحت الأرض في بلد التعدين، والحزن المغيّر للحياة الذي جاء بعد ذلك. لكن تجربة واحدة كانت كافية. في المرة التالية التي حملت فيها من بركة، ستلد ابنتها الثانية دومينيك.

استمرّت كراهية النساء في هيكلة حياتها بين الفنانين، لكنّها تصرّفت كما لو أنّ المساعدة المتبادلة والحب الحر والشعر نفسه؛ من شأنه أن يمهد طريقها إلى الأمام. وهذا ما حدث في كثير من الأحيان بشكل ملحوظ. انتقلت إلى كاليفورنيا في عام 1968، حيث مكثت لبقية حياتها، مما ساهم في إقامةِ رابطٍ جوهريّ بين طليعة نيويورك والثقافة المضادة الناشئة في سان فرانسيسكو. ولفترة من الوقت، احتفظت بـ "ببنك مجاني" أعلى ثلاجتها - مجرد "صندوق أحذية مليء بالمال" لمن يحتاج إليه.

في الرسالة الثوريّة رقم 46، حذّرت المتشككين: "عندما تتعلّم السحر، تَعلّمْ أن تصدقه / لا تتفاجأ عندما يعمل." لكن إيمان "دي بريما" بقدرة الشعر على إنتاج التضامن والتغيير الاجتماعيّ، كان أيضاً نوعاً من الأداء - ليس زائفاً على الإطلاق، ولكنّه طريقة للتمرّن، مراراً وتكراراً، على العالم الذي كانت ترغب في العيش فيه.

" أنا ظلّ ..."

أنا ظلٌّ يعبرُ الجليد
أنا أَصدأُ سكّينٍ في الماء
أنا شجرة كمثرى لدَغَها الصقيع
أنا أتمسك بالجبل بيديّ
قدمي مقطوعة بالزجاج
أمشي في الغابة العاصفة بعد حلولِ الظلام
أنا محاطة بسحابةٍ ذهبيةٍ
أَصفُرُ من خلال أسناني
أفقدُ قبعتي.
تتغذى عيني على النسور وفَكّي
مُقفَلٌ بسلكٍ فضّي
لقد احترقتُ كثيراً وباتت عظامي حساء..
أنا تمثالٌ حجريٌّ عملاقٌ على جرفٍ.
أنا مجنونٌ كعاصفةٍ ثلجيةٍ
أحدِّقُ خارج الخزائنِ المكسورة.
***
" أغنيةٌ لك أيها الطفل غير المولود"

حبيبَ قلبي
عندما تأتي
ستجدُ
شاعراً هنا.
ليس هذا تماماً ما قد يتمناه المرء.
لن أعِدكَ
أنكَ لن تجوع أبداً،
أو تشعرَ بالحزن
على هذا العالم
المنكسرِ
والبائس.
ولكنْ يمكنني أن أريك
يا طفلي
ما يكفي من الحبَّ
ليحطّمَ قلبَك
إلى الأبد.
***
" تمرينٌ في الحب"
إلى جاكسون ألين
....
يرتدي صديقي وشاحي على خصره
أُعطيهِ أحجار القمر
يعطيني الصَّدَف والأعشاب البحريّة
جاء من مدينةٍ بعيدةٍ وأنا أقابله
سنزرع الباذنجان والكرفس معاً
ينسجُ لي القماش.
كثيرونَ مَنْ أحضروا الهدايا
التي أَستخدمُها لإسعاده
الحرير والتلال الخضراء
ومالك الحزين لونُ الفجر.
يمشي صديقي بلطفٍ كما النسيجُ على الريحِ.
يضيءُ أحلامي.
بنى مذابحَ بجانبِ سريري.
توقظني رائحةُ شعره ولا يمكنني أن أتذكر
اسمهُ، أو اسمي.
***
"النافذة"

أنتَ خُبزي
وخطُّ الشَّعر
والضوضاءُ المنبعثةُ
من عظامي.
تكادُ تكونُ
البحرَ.
لستَ حجراً
ولا الصوت المنصهر.
أعتقد أنّه
ليست لديك أيّ يدٍ.
هذا النوعُ من الطيور يطير للخلف،
وهذا الحبُّ
ينكسرُ على زجاجِ النافذة
حيثُ لا يتحدثُ الضوء.
هذا ليسَ وقتَ
الكذبِ.
(الرمالُ هنا
لا تتحركُ أبداً).
أعتقدُ
أنَّ الغدَ
حوّلكَ بإصبع قدمه.
وأنتَ كذلك
تلمعُ
وتتألقُ.
بكلِّ قوّتكَ وتحت الأرض.

_____________________________
المصدر: نيويورك تايمز
ترجمة عن الإنكليزية: معتز حرامي