الأحد 11 نيسان 2021 | 4:15 صباحاً بتوقيت دمشق
فؤاد علي ديب

فلسطين ضوء أول لقصيدة ما!

فلسطين ضوء أول لقصيدة ما!
محمد الوهيبي (1948-2015) فنان تشكيلي فلسطيني سوري
  • الجمعة 25 كانون الثاني 2019

ها هو ضوءٌ جديدٌ في أول النفق، فمن قال إنه سيجد الضوء في آخر النفق كان يتذاكى، فلا أحد يسير في نفق مظلم لأنه يتخيل وجود ضوء في نهايته فقط؛ أو أنه شاعر مثل بشار بن برد يصف أشياء لم ولن يراها، يصف امرأة من حلم تستبد بعاشقها حتى لا حرك به وهي أضعف خلق الله أركانا! مضيفا بعداً آخر لقصيدة جرير وهو يقول إن العيون التي في طرفها حور قتلننا ثم لم يحيين قتلانا، يصرعن ذا اللب حتى لا حراك به وهن أضعف خلق الله أركانا.
فما كان من بشار بن برد إلا وأكمل هذه القصيدة مبدعا بما لم يشاهد وهنا معجزة الشعر والشاعر فهو يلمس ما لا يلمس و يتذوق ما لا يحس به العادي منا نحن المساكين فهو يقترب في هذا إلى مصاف النبوءات ولو لم يُغلق باب النبوة لكان المتنبي الشاعر النبي أو النبي الشاعر فلكل دين نبي ولكل ملهمة شاعرها ولكل زمان قصيدة ؛ وهكذا تمر السنون تباعاً وراء بعضها ويخلق الشعراء من قصائدهم أزمنةً جديدةً تارةً تضيء وتارةً تخبو، كذلك الشعراء تارة يُظلمون وتارة يتوارون خلف ضباب القصيدة كي يشقون الضوء مثل الشهداء فها هو (علي مصلح-1986) يقول:
كل صباح أسأل
متى تكتمل القصائد
أتنفس
أتذكر الشهداء
أمي
وما انزرع فيّ من جمال عينيها
وأتيقن كَكُل يوم
لن تكتمل أبدا
ستبقى بلا نهاية وهداية
فالشهداء مبتسمون لا رثاء يكفيهم
والأمهات أوطان واسعة عصية على الترجمة
وعيناها سر ابتسامة القلب الهش
فكيف
للقصائد أن تنتهي
وكيف للمعاني أن تنام هانئة
هكذا لا تستطيع المعاني النوم هانئة إلا كي تورق كما الحب لا يخلق من العدم، يقول (مصلح) في تناصه الذي يشبهه:
الحُب
لا يفنى
ولا يُـخلق من العدم
بهذه الكلمات يشرع العاشق بخلق ملهمته كي يقوى على اكمال ما كُتب له من ضياعٍ ومن منفى وحين يشعر أن الوقت خانه يستند على قصيدته جدارا يقيه خذلان المعنى يقول ابن مدينة القدس (محمد داوود-1971):
ويحدث أن الشمس تنهض كل يوم
ويحدث أن الروح تبكي بكل شمس
ويحكى أن الحب يهذي بكل قلب
ويحكى أن الموت فينا بكل عرس
ويروى عن الفلسطيني أن رياحه
تخوض الحياة بكل إثم
فتعوي السماء جنوداً حدوداً وبحارَ يأسِ
وتخرج الجموع من المخيم في تكرار صوري لمأساة النكبة الفلسطينية عام 1948 فيحن ليوم يقضيه في دمشق مدينة الحلم والحب وفي آخر الأيام مدينة الحرب:
في الفجرِ..
تُخفي دمشقُ العاشقين بصدرها..
ترشُّ الحليبَ على هائمٍ
يُنقّبُ عن بقايا الندى في شارعٍ أمويْ
عسى أن ينام الزمان هنيهةً
ويعود نحو المشمشِ البلدي
فينساب الحزن رويدا رويدا بين فواصل الكلمات كي يتوهج ضوء العتاب مناجياً من رحلوا تاركين موتهم بيننا ناقوساً يدق كلما تذكرنا عجزنا وخيبتنا فيقول (أحمد عبد الرزاق عموري-1965):
رحيلكَ صاحبي أضنى قلوباً فهل بالموت موهبة العتاب؟
إليكَ إليكَ من قلمي دموعٌ تمدُّ البحرَ أرحام السّحاب
لكن الفلسطيني وكما يعاتب من رحلوا فهو يناجي من يحب حتى وإن خط المشيب طريقه إلى شعر ابن مدينة صفد (محمود حامد-1941) لكن قلبه ما زال نابضاً بالعشق ورقة المعنى الشفيف كما يشف عاشقان يسيران تحت مطر ناعم يوشي قصيدة الطريق:
كم قلتِ: دعني أستريحُ من المطر
تحتَ اشتِعالِ المِعطَفِ النَّشوانِ بي
دعني على سَفَرٍ أغامِرُ بانهِماري فيكَ
دَعني:
أنتَشي بلُهاثِ أنفاسي
لِتَغرَقَ في لُهاثي
حينَ ينكَسِرُ الأنينُ عَلى الوَتَر
ويتهادى الشعر الفلسطيني متتاليا جيلاً إثر جيل كأنه الموج تحمله طيات الماء يكمل ما انقطع بين ضفاف الوطن والمنفى فمن غزة يتلو الشعراء قوافيهم مثلما يتلو الشهداء صورهم على الجدران ويهمسون أن الوطن كما بالدم يفتدى فهو يتكامل بالقصيد فها هو ابن مدينة غزة (عامر المصري-1997) يتوجس مرارة انكساره ويسمع صوت خيبته:
الآن حيث العصافير
تحاول جاهدةً؛ اشعال حنيني
وقتل شعوري بالوحدة
تعالي لأنتصر على الزقزقات
....
لا أسمع فيروز هذا الصباح
أشغّل صوتك المكنوز في أذنيّ،
كلماتك تتردد كما هي قبل عام وعامين
أقف مشدوهًا..
أسمع صوت انكساراتي،
وأغنّي هزيمتي
فينبسق ابن مدينة رام الله (جواد العقاد-1998) من بين ثنايا العشق مستلاً الحكي من صوتها متخيلاً نشوتها وهي تخاتل نعاسها منسحبة انسحاباً تكتيكيا من معركة الهوى فهي لن تجني في ساحة الحب إلا الصدى:
صوتُكِ
يروي أعشابَ الفكرةِ الأولى لقصيدةِ حبٍّ
يُروِّضُ قلبي إلى هاويةِ المجاز
ويستدرجُ النُّعاسَ إلى نشوةِ امرأةٍ
نسيتها على جسد الليل.
متغطرسٌ في الإيماء،
غارقٌ في الحنين
....
كُلُّكِ موسيقى
خصرك يتأله ثم يصير صراطًا مضلًّا لقلبي
قلبُكِ مبللٌ بالأغنيات
ودموعك نشازُ أغنيةٍ تاهت عن طريقي.
أنا طريقُكِ
وطريقتُك في الغناءِ الأبديِّ للحياة
أما الراقص على ايقاع المنافي فلا يأس يتسرب الى أغانيه وقصائده التي يجسدها على الخشبة راقصاً وجعه قصائد يقول (محمد ديب-1984) وهو في منفاه العبثي راسماً لوحةً للموتى وهم يتلون وصيتهم أن عيشوا حياتكم كما يجب فالوطن يحتاجنا كي يحيا فارقصوا لابد من حزنٍ في يومٍ ما:
ما يحدث الآن في قلبي
لا يفسّره إلا اللون
يقول لنا الموتى في مذكراتهم اليومية:
ارقصوا وغنوا وارسموا
ففي المحصلة
سَنُربي الدموع
كطفلٍ لم نُنجبه
....
أعرف أن الثواني التي تمضي تباعاً من عمري
لم تمضِ هباءً
كأني أربي الوقت
أبتسم كلما التقت عقارب الساعة
كأني درويش يدور حول نفسه
يدور ويدور ويدور
دون أن ينقطع خيط أمله بلقاء الله...
ويخضر الشعر كالمدى الأزلي حين تكتب امرأة من غزة الشعر بأصابع روحها عن حزن يشبه خزن العراق الأزلي وكأنها تغزل الحزن كنزة لبرد الجهات والمنافي فلا يحد حزن القلب ولا يتسع لصداه إلا فصلٌ خامس فتتلو علينا ابنة غزة (هبة أبو ندى1991) ضوءً خامساً للوقت:
قلبي عِراقٌ متعبٌ
ودمي بكاءُ الأمتعة
....
والحزنُ خامسُ ما عرفتُ
من الفصولِ الأربعة!
أما (هدى ديبان-1978) فتنسج خيبتها منا نحن معشر الرجال بإبرة من الخيبة والمرارة كأن الرجال يولدون ويمتهنون كسر أحلام الأميرات باسقات الموهبة بعيدات الفرح إلا من رحمها الدرب والصدى:
في الثامنة من عمري
رأيت قمراً ينام في برميل الماء
منذ ذلك اليوم والأحلام تأتيني بظلال مبللة
في الخامسة عشرة من عمري
قتلت "جودي آبوت" بجرة قلم
وكتبت رسائل لصاحب الظل الطويل
وفي كل مرة كان سعاة البريد يعيدون الرسائل قائلين
ليس هناك ظل لأي رجل يا صغيرتي
....
في العشرين
لم أكن وقتها ابنة الحظ
لكني حملت أرواحاً في جيوبي
أنفقتها على متاهاتي الشخصية

في الأربعين
عثرت على الحكمة
ورميت بها في أقرب حاوية للقمامة
نعم هو ضوءٌ أولٌ في أول ضوء من مغامرةٍ نحاولها كي يلمع ظل شاعر في زمن يتشيّء فيه كل شيء ويبتعد الناس عن الشعر كمن مسه السحر فغوى فما كان من الشعراء إلا أن هبطوا إلى وادي عبقر وقيدوا شيطان الشعر وساقوه موسوما بغواياته صوب الصدى فما عاد للحياة من سحر في غياب الشعر؛ هو ضوء نشعل فتيله كي نقرأ شعرا شفيفا يُظل أرواحنا بعد أن مددنا الحبل للصدى في محاولة كي نغري شيطان وادي عبقر ألا يتوب عما اقترفت أصابعنا من الشعر.