الأحد 11 نيسان 2021 | 3:44 صباحاً بتوقيت دمشق
إبراهيم حسو

"دَاخلَ جوزَةٍ مَكسُورةٍ" الكلمات تقدم نفسها بعذريتها

غلاف الكتاب
  • الجمعة 8 شباط 2019

يقّدم الشاعر البحريني "أحمد العجمي" في إطلاقه الشعري الأخير (داخل جوزة مكسورة) عدة مسوّغات جمالية على تقنيات اللغة و جعلها مسرحاً للتزاوج بين العلاقات الدلالية و العلاقات الايقاعية و هو على ما يبدو من الشعراء المتمرسين الذين يخضعون اللغة تحت الاقامة الايقاعية الطيعة و البسيطة و يكتب دون أن يفصح عن شيفرة هذه الايقاعات و الإشارات و دون أن يخفي ذلك النسيج اللغوي المتقن الذي هو معالج من بناء ايقاعي تواتري متقن لم تتكيف عليه الشعرية العربية والأدق الشعرية الخليجية إلا بعض أسماء قليلة (قاسم حداد و أمين صالح) و هي أسماء لم تستطع أن تحافظ على المنهجية النصية المتلاحقة ولم تجرب أن ترمم ذلك اللمعان الذي كان يلمع من ذهب المقولة و فرادة اللغة.
ما يقلق هنا في نص "العجمي" التشكيلات الايقاعية التي أحدثتها هذه النصوص والتي تبدو أنها نصوص مجتزأة ومتعامدة بنائيا والتي تعيدنا إلى ما قبل هذا الإصدار أي قبل كتابة (داخل جوزة مكسورة) و بالتحديد إلى كتاب (الضوء كلب أحمر) و هي تشكيلة نصوص انتديت على تطبيع المغزى وترميم الدلالة والأصح دعت إلى طبائع اللغة وبوهيميتها ومادتها الخام الطاهر ولربما إلى مغادرتها من ذلك التسلسل الدلالي برمته، فهذه النصوص لا يمكن أبدا اختزالها كونها سلسلة معقدة ومترامية الأغراض قد توثقها هذه الاجتزاءات بكامل عناصرها البنائية والتقسيمية والتركيبية.
بالإضافة إلى التصميم الخطابي داخل كل مشرح والأبعاد المتسعة بين الدليل و الدلالة، بين الحواصل التي تولد المجاز الاستعاري والمجاز الفوتوغرافي الجارف والتي بدورها تخلق وشائج متناظرة للمغزى والمخيلة دفعة واحدة، و من يفتح نص (قلب أحمر مع أزرق) سيلحظ الرمزية والشعورية الجارفة في كل مقطع، كأن كل مقطع ما هو إلا ديناميات المفردة المستقلة الخارجة للتو من جوف المعجم الشعري الجامع بالشاعر (أن الشعر هو عملية بحث في كل شيء، وفي كل نشاط حدث أو سيحدث؛ فإنّنا نتقصّد بذلك عدم تسطيح الشعر وتجريده من طبيعته أو الزّج به في بقعة ضيّقة ترغمه على الفشل، أو وضعه على محور واحد يجرّده من تعدّد رؤاه، وإنما نذهب إلى استثمار جنونه وتفلّته الدائم للتوغل فيه وبه في ذات اللحظة. فالشعر غير خجول وهو شجاع بل مغامر).
هناك جذب حقيقي في تكرار الأهمية للاستعارات والمفردات المعجمية والاشتقاقات والاصوات المترادفة التي تتعالى وتطأطئ بوزن وبموسيقى مضطربة، ثمة أصوات خارج وداخل النسق، أصوات راسخة ومعهودة في عمق ذاكرة اللغة:
"بدون شك وبدون يقين
لا تحتاج الذاكرة إلى التأكيد على
أن الأمر قد تم بفعل
المثابرة الدائمة
على الرقص
واتقان ضراوته
وعلى اختيار المسافة
التي يقطعها الضوء
بمنتهى الرعونة وبفعل المعرفة المدهشة بفعالية
الأوكسجين ومجازاته".
تغدو القامة الجمالية التي يبتني عليها الشاعر في أغلب مجموعاته الشعرية السابقة على لزق العوالم (الواقعية والطبيعية) بالرؤيا التشكيلية التي تقوم بتلوين المضمون الطفولي (الحلمي) وترقيته رغبة من الشاعر اضفاء حيوات متشاكلة ومتنوعة للمشهد وهو بذلك يحاول خرق شرائع وإرشادات وتقاليد الذاكرة البصرية على حساب الصوغ الرؤيوي، إنّ القلق الذي تحدثه طاقة الشعر ينمو دون أن يكتمل، ليقود عبر تساؤلاته وخيالاته إلى عالم آخر يفيض في كل اتجاه.
ولعلّ هذه الطاقة هي ما سمحت لهذا العمل ليكون كما هو؛ عمل يتعارك فيه العقل مع المخيلة، ويتمازج العلم مع الخرافات لينتج عالمه الماورائي، الذي لربما يسحرنا ويدهشنا، لكنه بالتأكيد يتحدانا:
"إنه مركب رعب
جاء من الماضي
وهو أكبر من قلوبنا المتخبطة
في رمال المادة المظلمة
فجهنم المكبوتة المصابة بالغثيان
تنتظرنا في اسطبلاتها
لتنعم بلحم مكتوب بالذنوب والكبائر
ولن تلتفت إلى الأفكار
الملوثة بضوء الحب."
في (مكر الصباح) لا توجد جوانب ارتكاز دلالية مخزونة، ولا توجد طرق تسليم المعنى إلا طريق تفكيكها تشكيليا، ويقع التساؤل والمسؤولية هنا على القارئ الذي عليه تصور كل شيء في النص، أي القراءة بعيون مغمضة إن صحت التسمية مادامت الكلمات تقدم نفسها بطبيعتها وعذريتها لتصنع المعنى كما هو يجب أو كما يلزم.
يكتب "العجمي" بما معناه (يحطّم الشعر بفيضه المكر الذي مارسناه ضد أنفسنا وصغنا به تاريخنا، تاريخ الحضارات والأساطير، تاريخ البغضاء الثقيلة والحب القليل. الشعر هنا لا يلعب دور المخدر والمخلص من الآلام الفردية، بل الضاغط على الحزن والحقيقة، والمنبّه للنقاط المظلمة البعيدة التي تقف على الخط الذي نضع عليه خطواتنا. وبعد أن يُشبع الشعر رؤيته الإشعاعية التي تخترق الدائرة الزمنية لحقب تاريخية للإنسانية، يتجرأ ليقدّم رؤاه حول مصير غامض ومجهول ومخيف للإنسان الذي يستعيض عن الطبيعة بالمعادن) إنه يحاول أن ينشّط النص ويشعله بالفضاءات التشكيلية ويمدها بمكونات ومواد خامة قابلة لبناء هرم لغوي بديل يصاحب النص ويؤازره.
(داخل جوزة مكسورة) عدد الصفحات (293 صفحة) إصدار دار أمل الجديدة. يقع في ثلاثة أقسام: بياض بلا عظام - قلب أخضر مع أزرق - مكر المصباح.
في بياض بلا عظام يتم تناول نشأة الكون وعلاقتها بتفكير الإنسان وبحياته، على المحورين الميثولوجي والعلمي.
وفي قلب أخضر مع أزرق يتم الاستغراق في ملامح نشأة وتطور الحياة على الأرض حتى خروج الإنسان من جنته.
وفي مكر المصباح يحضر تاريخ الإنسان من العصر الحجري حتى الآن...