الأحد 11 نيسان 2021 | 3:49 صباحاً بتوقيت دمشق
رضى كنزاوي

الطريدة

الطريدة
إدفارت مونك ( 1863- 1944) فنان نرويجي
  • السبت 10 تشرين الأول 2020

أيّتها العيون المنتفخة
كوجه عازف الساكسفون
أيّتها الصدور المكتظّة بالأسى
فلا تلتحم أصداف قمصانها
بعراها..
أيّتها العصافير البكماء الصغيرة..
أين حبيبتي "ف"
حبيبتي التي تلمع كقبلة على جبين قبرٍ
عاشق للموت والموتى..
حبيبتي الطفلة الرقيقة
ساقاها فراشتان
وعيناها ربيع ضائع
حبيبتي التي تشحذني الخبز والقبل
وجريمة نكراء بحجم قصيدةٍ بالية
أين الوطن الذي يحميني
من الغربة والقيء والذباب
وأسنان الصقيع الصدئة التي تمزّق الجلد
كتأشيرة الباص؟
إنّي أقرع الآن قوقعة حلزون
أستجديه المبيت هذه الليلة
لأنّني لا أملك ثمن إيجار ولو علبة ثقاب
فهل أقتل نفسي
لأضمن قبراً صغيراً في أرض الله الواسعة؟!
قبراً بلا مذياع ولا نافذة..
ولأنْ لا أب لي أعصيه
فتطاردني عقوقه
ولأنْ لا أرض لي أهجرها
فتطاردني عواصفها وبراكينها وزلازلها
ولا نساء لي لأخون
فيطاردني كيدها
ولأنْ لا ماضٍ لي فتطاردني
ذكرياته
أعطي عظامي
لكلاب الشوارع..
مقابل أن يركضوا خلفي
فأنا شبح، ووحيد...
أنا نكرة يا حبيبتي
أنا رجل يخرج من جيوبه تاريخاً مفعماً
بالحقد والضغينة....
أيّتها الشوارع المضيئة في هذا الليل
فلتتأهبي للانطفاء كشمعة
عيد ميلاد
سينطلق السعال من صدري كالعاصفة
فلتتشبث كلّ أمٍّ بخمارها
وكلّ فتاةٍ بتنوّرتها
وكلّ وطنٍ بعلمه
وكلّ سفينةٍ بشراعها
وكلّ شجرةٍ بأوراقها
كي لا يرى عريّكم الصغار
وروّاد المقاهي القديمة
دموعي مسنّة وموتي طفل
يحبو نحو الهاوية....
والحزن يفيض من قلبي
كالحليب من على فوهة إبريق
لكنّني سأعكّر صفو الوجود هذه الليلة
لن ينام أحد في بيته
ولا جنين في رحمه
ولا وحش في وكره
ولا نجم في سمائه
ولا حوت في بحره
لا رصاصة في مسدس
ولا محفظة في جيب
لأّنني سأكون فوق سطح العالم
أجرّ قارورة غاز.