الخميس 29 تشرين الأول 2020 | 10:13 صباحاً بتوقيت دمشق
رشـا صـادق

تاريخٌ شخصيٌّ للتنفّس

تاريخٌ شخصيٌّ للتنفّس
Joy Priest
  • السبت 10 تشرين الأول 2020

جوي بريست*

جئنا إلى الحياة في الثمانينيّات.
الهواءُ يموت بسبب الصناعةِ، وموتِ الصناعة.
فرامل القطارات تزمجر عندما تتوقّف،
هناك رائحة وحيدة؛ رائحة خيول،
العرق المزبد على عضلاتها،
وروثها ينساب مع النهر إلى المسيسيبي.
أجدادنا يدّخنون "ڤايسروي" بلا انقطاع في المنزل،
أصبنا بالربو قبل أن نتعلّم المفردات،
قرأنا الكتب وحبسنا أنفاسنا، تعلّمنا التهجئة
لكنّنا لم ننطق.
في داخل أجسادنا، تتكاثف الرطوبة
كجدال مع النطق.
عندما انتقلنا إلى منازل آبائنا، رمَوا إلى القمامة أكياسَنا
المليئة بقوارير الأدوية وبخّاخات الربو،
تلك التي جمعتْها أمّهاتُنا على مرّ السنين.
لقد قمنَ بخنقنا؛ قال آباؤنا وهم يغمغمون شيئاً ما
عن أن نكون رجالاً.
كنّا بناتٍ، كنّا سوداوات،
ولذلك كنّا أبناءً أيضاً.
أقسموا أن يجعلونا أقوى،
وذوات رئات أكبر؛ أشعلوا لنا السجائر، أعطونا
أكياساً ورقيّة مكرمشة عوضاً عن الأدوية.
في ربيع التسعينيّات، عانينا بسبب جزيئات غبار الطلع الوهّاجة،
التي تلتصق كالغشاء بكلّ السطوح المزهرة،
بريئة بطبيعتها، لكنّها تشوّهتْ
بفعل التحكّم كيمائيّاً بجنس النبات
وبعمل النحل، لذلك، أصبنا بالحساسيّة
من التفّاح؛ لأنّنا نعاني أصلاً من الحساسيّة لأشجار التفّاح.
في المزرعة، كان آباؤنا يحاولون إقناع زملائهم
بالانسحاب من كو – كلوكس – كلان،
بينما لعبنا نحن في فرق كرة السلّة المقسّمة عنصريّاً،
وكبرنا في صيفٍ يُسوِّره الحديد،
في حدائق غطّاها الصدأ.
في الرابعة عشرة، عملنا في مطاعم الوجبات السريعة،
وعشّش الهواء الملوّث برائحة القلي
في شَعرنا.
جُنِنّا كي نأخذ استراحة أطول
لتدخين "بلاك آن مايلد"، البعض منّا
ذهبن إلى الكليّة بذكرياتٍ ملوّثة،
بينما انتهى الحال بالأخريات في عيادة المدرسة؛
القلق، الكرَب الناجم عن الصدمات، القَلَس الحمضيّ،
وعدم تحمّل اللاكتوز، الذي قالت الممرّضة إنّه وراثيّ،
ولم تكن عبارة "التحيّز العنصريّ البيئيّ" معروفةً بعد.
أحياناً، كنّا ننسى _فحسب_ أن نتنفّس،
أو نكتشف أنّنا كنّا نحبس أنفاسنا.
جرّبنا الكومبوتشا* وشاي الأعشاب، اليوغا والتأمّل،
ارتدنا صفوفاً مع أمّهات من الضواحي،
يتناولن زاناكس وآمبيان، وتظاهرنا بأنّنا وُلِدنا للتوّ،
إلى أن توقّف رجلٌ عن التنفّس وسقط على الرصيف،
رجلٌ مثل آبائنا، يعمل في بيع السجائر كوظيفة ثانية،
رجل يتحدّث إلى النباتات مثل آبائنا، توقّف عن التنفّس
في قبضة الولاية الخانقة هذه... وإذ بنا
نزرع باحة الدماغ في رحلة كوكائين،
غير قادراتٍ على تحديد موضع رئاتنا، أذرعنا اليسرى خَدِرة،
ونردّد: هذا هو... هذا هو...
ونبض قلوبنا يتلاشى،
نقفز، ونصهل، وندفن وجوهنا في العشب،
نزفر، ونلهث.
قطار طفولتنا يقرقع، ويتقهقر ببطء،
يتوقّف في عقولنا.
جاء ليأخذنا إلى الآخرة.
العتّالون الأشباح دون كمّامات، أخيراً، ينحنون فوقنا
وجوههم هي وجوه آبائنا، يمدّون صوبنا
كيساً نتنفّس فيه.
صفّ الأزرار البيضاء على زيّهم الرسميّ يتسلّل كتيّارٍ
يعمي الأبصار.
_____________________
* شاي الكمبوتشا يعني حرفيّاً "شاي الطحالب" باللغة الروسيّة، ويُحضَّر بإضافة خميرة خاصّة إلى الشاي الأسود أو الأخضر الحلو. يُعتقَد أنّ له فوائد عديدة، وهو مشروب شائع في الصين ومنغوليا وروسيا.
*Joy Priest شاعرة أمريكيّة، حصلت على جائزة Donald Hall للشعر عام 2019 عن مجموعتها Horsepower. تحضّر للدكتوراه في جامعة هيوستن، تكساس.

ترجمة عن الإنكليزية: د.رشا صادق