الثلاثاء 1 كانون الأول 2020 | 3:45 صباحاً بتوقيت دمشق
نجيب نصير

لا تيرنا

لا تيرنا
انترنت
  • الأربعاء 19 آب 2020

أو "مطعم القنديل"، كما أشيع عنه، حيث كان للشاعر مكانة، في مقدّمة صنّاع المنتجات الثقافيّة، ففي مستهلّ سبعينيّات وثمانينيّات القرن المنصرم، كان الشعراء صنو الأمراء، يتربّعون على عرش الثقافة، يشار إليهم بالبنان، فهم خلاصة القول وكثافته ورؤيويّته، وكانت "لاتيرنا" إحدى الأحضان الدمشقيّة، التي ارتمى فيها الشعراء، وانتثر بينهم الروائيّون، والمسرحيّون، والسينمائيّون، وظلّ الشعراء العمود الفقريّ لتلك اللمّة الرجيمة، حتى تبعثروا وتبعثر الشعر على حبال الشبكة العنكبوتيّة، ولم يعد الشاعر أميراً، بل ضلّيلاً يحتمي بدرع كلماته خوفاً من الضياع.
لا أعرف سبباً لتأسيس "لاتيرنا" في وسط دمشق، فالأخوين قصاب حسن _نجاة وبرهان_، لم يكونا من أصحاب المهنة (المصلحة) باللهجة الدمشقيّة، ولكنّهما استجابا لنداء المدينة، فالمدينة في أحد وجوهها هي مقهى يجمع الناس من أطرافها المتباعدة، واستجابا لشغف الاندماج، الذي تمثّل في"لاتيرنا" بهذا الجمع الهائل من المثقفين ومنتجي الثقافة، من سوريا وخارجها، الذين مرّوا تحت قبّتها السماويّة، ولم يكن يدرّ هذا المشروع للأخوين الأرباح الجزيلة، بل كان مشروعاً خاسراً بكلّ المقاييس، عدا مقياس صفة المكان؛ كأرض للتفاعل والحداثة والإبداع.
الحنين إثم، بدلالة المرارة؛ فـ"لاتيرنا" هزمتْ، في نهاية الخسائر على أنواعها، وتذكّر "لاتيرنا" أصعب من دفنها ونسيانها، فمن يدخل "لاتيرنا" ليس آمناً من الوجع والخيبة والإحباط، على الرغم من مطالعة وجوه هؤلاء الأمراء، من الذين لا تعرف عنهم سوى صورهم من مقابلاتهم الصحفيّة، وقراءة دواوينهم المتفجّعة من هول الهزائم والخيبات، سوى لغتهم الطافحة باللماحة والعمق والطرافة، ربما تتسنى لك الفرصة للجلوس مع فايز خضور بصفة مراقب، أو مع سعدي يوسف بصفة مستمع، وحتى مع يوسف شويري (كناقد ساخر للشعر)، بصفة ضاحك، ولكن الألم والاحتجاج لا يخطآنك، ينفذان إلى قلبك مباشرةً، انطلاقاً من تلك الوجوه المتوترة والمحتارة حول الموائد، وهكذا تنقلب نوستالجيا "لاتيرنا" إلى مرارة، تستنفذ الأسئلة المجاب عليها مراراً وتكراراً بين ردهاتها، منزلةً هؤلاء الأمراء إلى مرتبة ما يشبه رتل دوستويفسكي في طابوره السيبيريّ.
نعم؛ كانت "لاتيرنا" وجدت وفعلت وتفاعلت، واندلق الكلام والشعر والأفكار من بابها الشبيه بأبواب المنازل، وسفح على قارعة الطريق، هي الآن مجرّد "كانت"، تشبه فرصة ضائعة لا يمكن استعادتها.