الجمعة 26 شباط 2021 | 11:20 صباحاً بتوقيت دمشق
نجيب نصير

الشاعر والنذل

الشاعر والنذل
درويش و بركات
  • السبت 4 تموز 2020

هل يحقّ "للشاعر" أن يكون نذلاً؟
هذا التساؤل هو بمناسبة الهيصة "الدراموصحفجية" التي حصلت نتيجة إفشاء الشاعر "سليم بركات" سرّاً خطيراً كان قد ائتمنه عليه صديقه الشاعر "محمود درويش"، واعذروني عن عدم ذكري للألقاب مثل: (الكبير، أو العبقري، أو المجاهد الأكبر... إلخ)، فما نتكلّم عنه هنا هو الصفة الحقوقيّة للإنسان، "هل يحقّ له؟ أم "لا يحقّ له؟"، هذا على الأقلّ في قوانين الحداثة المنبثقة عن التفكير والإبداع.
والسرّ الذي أعلنه الشاعر صديق الشاعر، هو عن وجود ابنة "غير شرعيّة" للشاعر، ناتجة عن زنى "المحصنات"، وهنا بيت قصيد الفضيحة، وبيت قصيد "الدراموصحفلوجيا" المرافق؛ فمحمود درويش في رحاب رحمته تعالى، وليس موجوداً على الأرض كي يحاسَب حقوقيّاً عن جرمٍ فعله أو افتعله، ولم يبقَ إلا تنبيهه تعالى، إلى خطيئته، التي ربّما تناساها سبحانه، أو أعفاه منها أو سامحه! بسبب شاعريّته الحقّة، وهو (على كلّ شيء قدير). ولكن ماذا عن المرأة؟! أوليس من واجبنا رجمها؟! وهي المحصنة التي أخلّت بشروط عقد نكاحها؟! أفلا تُسأل؟ وهي البالغة الراشدة التي اختارت ما اختارته؟ وماذا عن الابنة التي أضحت الآن امرأة ولا شكّ؛ أوليس من المفروض أن نتساءل كيف نمتْ وكبرتْ؟ وربّما تزوّجت وأنجبتْ؟ وهي تحمل (دي إن إيه) مضروب؟! أو لربّما تقرر الأم أو الابنة الإعلان عن نفسيهما وهذا من حقهنّ.
إنّه لأمر مضحك من شدة واهيته، وأعتقد أنّه صار من الواجب الآن أن نسارع جميعاً، إلى فحص شرعيّة وجودنا التناسليّ، بالتأكّد من سلامة الـ(دي إن إيه) خاصّتنا، أو الرقم التسلسلي لسلالاتنا، فلربّما نكون أبناء المتنبي أو لقمان ديركي.
بالطبع محمود درويش ليس ملاكاً، ولا شيطاناً أيضاً! وعلى هذا، قد يكون "نسونجيّاً" مدللاً، أو مدمن مخدرات، أو حتى مثليّاً!
وكذلك الأمر في أن يكون درويش روائيّاً،أو رساماً، أو موسيقيّاً، وماذا سوف يتغيّر في المسألة لو كان درويش ما يزال حيّاً؟ لا شيء؛ شعره سيبقى شعره، وحمض ابنته النوويّ سيظلّ نصفه منه، ولكنّها ابنة الحياة أيضاً؛ فالحياة تستقبلنا كأبرياء ولا تهمّها أيّ تفاصيل أخرى.
وماذا لو كان درويش قد أنجب من العديد من النساء العازبات أو المحصنات، هل ستخرب الدنيا؟
ولكن ماذا لو افترضنا أنّه كان درويش، يحبّ القروش، أو أنّه بخيل أشعبيّ الطباع، ماذا لو كان حقوداً لئيماً، يكتب التقارير لمخابرات رعاته؟ هل كان لوقع هذه الأخبار من قيمة؟! مقارنةً مع وقع الفضيحة الجنسيّة هذه؟
بالتأكيد لا!، وهذا ما يفتح الباب لمراجعة أنفسنا، ثقافاتنا، ذوائقنا، فقد نكون مخطئين ليس بالحكم على فعلة درويش (الافتراضيّة) هذه فقط؛ بل في تقييم شعره حسب ذائقتنا، المتأثّرة بهكذا نوع من المعلومات، هذا هو المهمّ في النظر إلى هذه الحادثة الافتراضيّة التي لا يمكن إثباتها إلا بالوثائق، وعليه فإنّ أحد لم يقارب المسألة من باب أنّ الحياة فيها كلّ شيء، وتتسع لكلّ شيء، بل كانت جلّ التعليقات تنبع من الفضول "الشماتويّ" للفضيحة الجنسيّة تحديداً، محوّلةً معرفة الحقيقة من حقّ إلى دسيسة.
بهذه المعلومة ينضمّ درويش إلى العامّة، كشريك في الحياة، ما يعيده إلى صفّ الشعراء مرّة أخرى، وهكذا يصبح السؤال: (هل يحقّ للشاعر أن يكون نذلاً) خاطئاً، يستجلب أجوبة سقيمة ومفجعة؟!
لقد عرفت شخصيّاً العشرات من المبدعين وكانوا أنذالاً فعلاً، ومبدعين فعلاً!، أي أنّهم كانوا مثلنا؛ أي مثل كلّ الناس، لهم نذالاتهم وفضائلهم، والإبداع ليس محسوباً، لا على الفضائل ولا على النذالة، ودرويش (من دون أخذ هذه المعلومة بعين الاعتبار) كان إنساناً، يعمل شاعراً مجيداً.