الثلاثاء 1 كانون الأول 2020 | 3:52 صباحاً بتوقيت دمشق
مهيب البرغوثي

الخيانة.. بداية حياة جديدة

الخيانة.. بداية حياة جديدة
هنري ماتيس (1869-1954) فنان فرنسي.
  • الأحد 28 حزيران 2020

صديقتي:
هل ما زلت تخبّئين معطفك الفرو لليلةٍ باردة؟
وحذاؤك الأسود اللامع طويل الساق, هل بهتَ لونه؟
أتذكرين قبل عامين في مثل هذا اليوم؛ حين دخلتِ غرفتي وبين يديكِ زجاجة نبيذ أبيض, كم كان معطفكِ متّسخاً من وحل الطريق؟! قلتِ لي كيف حصلتِ على زجاجة النبيذ حين أغويتِ صاحب البار، وأوهمتِه أنّكِ ستنامين عنده إن أهداكِ زجاجة نبيذ فاخر وكأساً من الفودكا.
كلّ ذلك أتذكّره الآن وأنا جالس في مقهى على حافّة الطريق أحاول أن أدفئ يديّ بكأسِ الشاي, وأفكّر: هل ما زالت مدفأتي تعمل؟.
رفيقتي:
إنّه عالم من البلاستيك.. يلاحقني
ويصفر في أذني,
متناسياً صوت الموسيقى المنبعثة من اسطوانة فيفالدي "الفصول الأربعة"؛ التي أهديتِني إيّاها ذات شتاء،
الهواء يؤلم أسناني ..
صديقتي:
لقد غادرتِ منذ سنتين وكم كنتُ محتاجاً إلى ذلك، لعلّي أدركتُ الآن أنني لم أكن متعباً منكِ بقدر تعبي من نفسي.
أقف أمام الشباك في غرفتي متأمّلاً منظر الماء المتدحرج بأناقة عبر الزجاج, إنّه منظر لا يقدّر بكلّ ما كنت أحلم به.
صديقتي: هنا في منتصف الممر لا مجال لمغامرة أخرى.
صديقتي:
هل موتنا سيساعد العشب على النمو؟
والشمس! هل ستشرق بوقتٍ أقلّ من المعتاد إذا ما رحلنا؟
أنتِ لا شيء بالنسبة لي!
‎من أين جاء كلّ هذا الشرّ؟ ومن أي بذرةٍ نما؟ هل مات أحدٌ يوماٍ ما بين يديك؟
لا؛ إنّما متُّ يوماً بين نهديّ امرأة قبل أن أزورها ....
لماذا لا أشعر بكلّ هذه القسوة المحيطة بي؟
ربّما لعدم الرغبة بحبّ ما ينبع من هنا؛ حيث الفوضى ومجد التلاقي, وهل كلّ هذه الوحدة نابعة من تلك القسوة؟!
إذن هل سننتصر؟ أم نبتسم!
قد أكون أفضل لو عشت كل هذا الألم الذي يجعلني أشعر بالنقص إذا لم ألتقِ بكِ..
الشيء الوحيد الذي يجعلني أعيش، هو وجود أمر خاصّ يختلف عن الآخرين، يصرخ بي أحياناً، أيا روحي اجعليني أرحل الآن فقد أفقدكِ إن تخلّيتُ عن الألم.
صديقتي:
قد رحل من ظننتهم يوماً أنّهم سيوصلونني أو سيحملون نعشي، أو تراهم قد تاهوا عن المقبرة؟ لكن لماذا ما من نجمة في الطريق؟
أمشي في ليلٍ أرى قلبي معلّقاً على المصابيح.
لقد عانيتِ معي يا صديقتي في كلّ متاعبي، وها قد انتهت الطرق التي قد تعيد طعم الحياة الأولى إلى الشفاه.
وكنتُ أثمل كالعادة وأخونك مع أيّ عابرة طريق ثمَّ أعترفُ لكِ بذلك، وكأنّكِ قسّ وأنا مذنبٌ، وبيتنا هو المعبد.
صديقتي:
آه كم أنتِ طيّبة! وكم صدّقتِ كلّ كذبي، كنتُ أشاهدُ لون شفتيكِ حين أكذب كيف يتغيّر لونهما، لكنّك كنتِ لا تحبّين لي أن أكون ضعيفاً، وقد علّمتِني أن أتقن فنّ الخيانة بكلماتكِ!
إنّ الخيانة بداية حياةٍ جديدة.