الثلاثاء 1 كانون الأول 2020 | 4:49 صباحاً بتوقيت دمشق
شام قطريب

إشراقات ألف ليلة وليلة

إشراقات ألف ليلة وليلة
نبيل السمان، فنان سوري.
  • الأربعاء 24 حزيران 2020

ستكون دمشق القديمة كقصص ألف ليلةٍ وليلة، يزورها السياح ويلمسون أحجارها بشغف؛ أحجارها التي تحوّلت لأعدادٍ هائلة من وجوه العشاق والأصدقاء، وجوه بجانب بعضها فوضوية، بيضاء وسمراء وبنفسجيّة! مدوّرة، مربّعة، بيضويّة.
ملامح تصبّغت بلون الشام من فرط الحب، عيونهم جامدة، ميتة، شفاههم أنهكتها القبل تحت الرصاص.
وستصبح حديقة السبكي والقشلة والساحات مجرّد آثار محفورة عليها خطانا وأشكال رُكَبِنا المدوّرة من السقوط...
نحن هنا مشروع شهداء، أو موتى محنطين! أو قصص مؤثرة تُكتَب على بقايا عظامنا في المتاحف...
*
أضعتُ بعض أمتعتي، مهرولةً لعامي الرابع والعشرين، نسيتها في وجوه المسافرين والبيوت القديمة، على عتبات أبواب الجيران والأحياء الحميمة، في صفوف مدرستي وعلى المقاعد الخشبيّة المتشققة، في كلّ غروبٍ لشمسٍ صيفيّة مازالت حرارتها تحتلّ مكاناً في الذاكرة.
تجدد نصفي في الجامعة بين زحمة الأحلام والمشاعر وعلى كلّ الأقلام والمحاضرات وعيون رفاقي السماويّة الملوّنة.
بعدها احتلّ قلبي وقت العمل والبدايات بين يديّ المدير الصارم الشريف والزملاء العاديين، بين ابتسامة وغَدٍ ولطفٍ نشيط، وكلمة عدو.
كَبُرَ التعب على طرقات المزّة وباب توما، وصولاً لجرمانا والطابق الرابع، خلال طيّ كلّ صفحة رواية لم تشدّني وأغنية اقتصصتُ نصفها وفيلم لا يشبهني.
ثمّ وجدتُ كلّ ما أضعت، حين التقيتُ بأصدقاء طفولتي في دمشق، فاكتملتُ.
-الظلامُ من حولكَ حالكٌ يا عزيزي، كلامكَ النور الوحيد هذه الليلة...
* سأحتاجُ بعد هذا الكلام لقدحٍ آخر...
-لا تستفزّ نوبات الفرح لديّ بحديثكَ...
*لا تترددي... كوني خمراً لتطلعَ شمسٌ من هذه الظلمة...
-أنا لستُ الخمرَ يا عزيزي، أنا ذروة انخطافكَ من الخمر، فالشمسُ قريبةٌ هكذا...
*متكبّرة؟
-لا ليس تكبّر، أنا شعور ولستُ جماداً ملموس...
*إذاً... إنّها ذروة التكبّر!...
-ألا يحقُّ لي؟ أم أنّك تريدُ أن تكونَ الأمير الوحيد لهذه اللحظات...؟!
*أنا فارسٌ... لكنّ هذا الليل ليسَ لجوادي!
وجههُ كان كافياً لتحريك تلك النقطة العميقة في الروح هكذا، وانتشال الأشياء من حولي وإعادتها مبعثرة وجعلي في حالة انخطافٍ مستمر ورقص متواصل مع النفس.
كان الأمر أشبه بالاتصال المباشر مع الله بإيمان عميق به، كأنّه صلاة روحانيّة بشدّة تلك الصلاة التي تهزّك من الدّاخل أتفهمني؟
هو الشغف الذي يجعلك تمسك بالأشياء بقوّة وتتحسسها بأصابعك وتتذوّقها كأوّل مرة، يجعلك تحتضن نفسك وتتأمّل الصور وتشمّ رائحةً أنتَ اختلقتها.
يشبه حبّات الكرز المتناثرة في كلّ خليّةٍ بك، يشبه المطر في الصيف الحار وحقل البهار اللاذع واستنشاق دمشق بعد غياب يشبه تلك اللحظة الأولى من كلّ شيء والارتباك في حضرة الجمال.
يشبه أيضاً صوت نزار قباني عندما قال:
"أنا الحبّ عندي جـدةٌ وتطـرف وتكسير أبعادٍ ونارٌ لها أكـلُ
وتحطيم أسوار الثوانـي بلمحـةٍ وفتح سماءٍ كلها أعينٌ شهــلُ
وتخطيطُ أكوان، وتعميرُ أنجم ورسم زمانٍ ماله،ماله شكــلُ"
الانخطاف:
الحبّ علّمني أنَّ الحواس تتفاعل ببراعةٍ فطريّة تماماً مع الحبّ؛ فالعين تتأمّله بصلابةٍ، كلوحةٍ مدهشة، والأذن ترقص لأن يغني اسمي ببحّة، ليست مجرد مناداة من ثلاثة أحرف.
عرفتُ كيف تطمئنني رائحة معيّنة وتهزني بصرامة، وكيف تجعلني لمسة دقيقة أولد من جديد مئات المرات المتتالية... نعم!
أدركتُ كيف يطلق دماغي صفارات الإنذار ليفرض عليَّ مصيبة الشوق الشديد...
لأجد نفسي أخيراً أتذوّق الحبّ بشراهة وشغف كأنّه "شيشبرك".
*
كنتُ أظنّ أنّ الحبّ عبارة عن شعور واحد يُخرج الأنثى المذهلة داخل كلّ فتاة، فتصبح ذات جمالٍ خاصّ في عين نفسها فقط، أو أنّه يُظهرُ لمعان القلب في نظراتها وتعابيرها؛ لم أكن أعلم أنّ حبّي يمكنه أن يظهر الأنثى والطفلة اللطيفة الرقيقة العصبيّة الساذجة اللئيمة المشاغبة الحساسة الضعيفة المرحة المنفصمة والمريضة! بشكلٍ أكثر صرامة ودقّة، كأنّه جسّدها في لوحة فسيفساء مدرّجة بين اللون النهدي والأزرق حتى الأحمر القاني، ذلك هو الحب الذي لا يحبسك في درجة حرارة معيّنة، بل يدفعك للتوازن بين حرارةِ وبرودةِ قلبك دون خوفٍ هذه المرّة، وليس سجن يسجن فيه الحبيب حبيبته بدافع الغيرة! بل يطلق لك حريّةَ المفردات لأنّكِ ستعودين له لا محالة...
ذلك الحبّ يتولّى مهمّة الترتيب على أساس الجمال، وليس التغيير...!
*
حبٌّ بسبعةِ أرواح!
التقينا منذ عصور بعيدة، وعشنا عشقاً مختلف الألوان والبلدان والطباع، شَهدنا حروباً متعددة وافترقنا مرّات كثيرة...
مُتنا عشرات المرّات بعضها قتلٌ، وبعضها جلطات مفاجئة.
طوال مرحلةِ حياتي وأنا أشتمُّ رائحتكَ وأبحثُ عنها في تفاصيل تشبهني، أذكر أنّي أحببتك وأنّك ضعت عنّي وأذكر بشدّة أنّكَ تفضّل فصل الخريف واللون الخمريّ والنبيذ الحلو والبحر وأغاني الجاز، ومازال وجهك مطبوعاً في جدران الذاكرة والمخيّلة، غير آبهٍ بواقعي المنفصل تماماً عنك! وإنّي لمدركة للحبّ الذي لا أعلم عنه شيئاً سوى أنّه معتّق من آلاف السنين، معلّق على شجرة الكون الكبير بقطعة قماش بنيّة بعهد الانتظار والتجدد!
أراك مرّات على شواطئ غريبة، ومرّات في شوارع كشوارع تونس الخضراء؛ بوجهك المدوّر المسمرّ وحاجبيك الثخينين وعينيك البنيتين وقمصانك المخمل الشتويّة، تقول لي كلمات مختصرة وأحياناً تصمت تماماً وتفرط بالابتسامة.
مازلتُ أبحث عنك في طرقاتٍ طويلة ومعتمة، وفي البارات الضاجة، وعلى جوانب البلدان التي تشبهك.. ولم أخنك حتّى في المخيّلة.
*
أناس زرعوا في داخلي نبتة "الأوليفرا"، غرْسها داخل عروقي كان صعباً للغاية! لكن لم يمضِ وقت كبير لأعلم أنّها تلئم الجروح بسرعة خياليّة دون الشعور بحرقة التطهير.
كنتُ ساذجة بشكلٍ مرعب للمحيط؛ عندما قرّرتُ أن أزرع نبات "القرّيص" على أيدي مختصّين آخرين كنوع من التغيّر الداخلي، الغرس كان سهلاً لكن شعوري الشديد بالحكّة جعلني أجرح نفسي بأظافري دون وعي.
لقد خدشتُ نفسي كثيراً، وتخلّيت عن أهمّ الأدوية التي يعجز "البنادول والبروفين ومرهم الفوسيدام" عن أحذ مكانها بذات المفعول!، وها أنا الآن اقتلعتُ كلّ الجذور الميّتة حتى نبت إكليل الجبل والنرجس بتأثير الظروف الطبيعيّة.
لقد كلّفني الأمر الكثير، وأنا لستُ من كارهي الألم للوصول لغايتي؛ لكنني أشدّ الكارهين لانتظار النهاية.