الأحد 11 نيسان 2021 | 3:19 صباحاً بتوقيت دمشق
أضواء المدينة للشعر ودراساته

الشاعرة الراحلة دعد حداد: تميل نحو الضوء

الشاعرة الراحلة دعد حداد: تميل نحو الضوء
الغلاف
  • الأربعاء 30 كانون الثاني 2019

تثب مفردات الشعر على ضفاف عاطفتنا عندما تكون الحالة صادمة بدهشتها. لكن ماذا لو كانت تلك القصائد عبارة عن شفرات حادة “مسنونة” بأحجار مقدسة تسقط من براكين نزقة، تقتفي عمرنا وتخلط هواجسنا الحالمة مع السماء، لتصبّ أرواحنا في نشوةٍ مؤبدة على شكل حياة؟ هذا ما تفعله قصائد النائمة البعيدة دعد حدّاد (1937-1991) التي صدرت أعمالها الشعرية الكاملة أخيراً عن دار التكوين السورية بعنوان (أنا التي تبكي من شدّة الشعر) متضمنةً دواوينها الثلاثة: «تصحيح خطأ الموت» و «كسرة خبز تكفيني» و «الشجرة التي تميل نحو الأرض» وقصائد أخرى متفرقة، وجميعها مؤرَّخة في عقد الثمانينات بينما نعرف من مقدمة الشاعر بندر عبد الحميد الذي كتب عنها أوَّل مقالة عام 1973، أن لها قصائد أخرى ومسرحيات شعرية تعود إلى عقد السبعينات.
تجربة "حداد" تتركنا في استلاب علني لمسحات الخيال ومبيت متصعلك في دوامات الأحلام. فعبارة إغلاق المكان وانتظار أن يصحّح الموت أخطاءه، هي إعصار مباشر لغضب امرأة تنتظر الحياة، حيث نسيم دمشق في أواسط السبعينات كان يحتفي بلهاث دعد حداد، ولا يتوارى عن مداعبة قططها الكثيرة، وقصائدها التي تصور شيخوخة العالم ونهايته المؤلمة.
على الرغم من اقتراب القبور إلى أصابعها في أكثر شعرها، إلاّ أن ثمّة طبيعة وزقاقاً وليالي ومغامرات خطيرة تؤكد من خلالها أنها الشجرة الوحيدة تميل نحو الأرض، وترثي العالم الذي ينهار يوماً بعد الآخر، ويشوّه حياتنا بتفاصيله المادية، ونشوّه نهايته برغباتنا المتوحشة، كأنما تعرف أن لا مصير لنا ننتظره أو ينتظرنا سوى ما يرتكبه جنون الشعر الآتي من يومياتها نحو عقولنا وقرائحنا.
ما لا يصدّق، أن امرأةً تطعم العصافير في كل مكان، وتجمع القطط في بيتها عشرين سنة، وتغنّي للنجوم في المساءات الباردة الحزينة، وتشارك الأقمار وحدتها وهي ترتل:
من صحائف الأمل أراسل القمر
ساعات
أراسل الهواء الليلكي
أراسل الأيدي المتعبة والمعزولة
وأتمرغ بالتراب وأنظر إليك
وتتلوث ثيابي وأنظر إليك
أتعفر
أتعفر
وها هو القبر
مرمية بثيابي.
ها هي الآن وحيدة بشدّة، امرأة المدن الكئيبة، تواصل الحياة حيث تريد، وتصحح خطأ الموت بأظفارها وتعترف:
أنا أكثر الناس عتقاً
أنا خمري في شراييني
أنا من تحمل الزهور إلى قبرها
وتبكي من شدّة الشعر.
صوتها يدوّي في كل ربيع وفوق أي رصيف هناك ظلٌّ من عطرها يمشط الشوارع ويرفو الذاكرة ببطء مؤلم.
أشد ما يميّز شعر دعد حدّاد هو طبعها وتأثّرها بطرق حياتها الغريبة والمشوقة. نزقها وتصرفاتها المجنونة المتصوفة والغريبة، مزاجيتها وتقلباتها الشهية نحو أشكال أخرى، قد تخلق الحياة هنا في هذه البلاد، نحن الوحيدين الذين نبحث في المنامات عن أشياء لا تريدنا، ونصطدم في الحياة بالأشياء نفسها التي حلمنا بها ولكن بوسيط لازم هو صوت دعد حداد الشعري، يرنّ كأجراس الكنائس في ليلة رأس السنة، تقول:
يبكون من الحب
الوحيدون
ويجرجرون الأكياس فوق الظهور
ويلملمون الأوراق
وفتات الموائد
آه البكاء المشترك
والجنازات المشتركة والعويل
والعذابات المشتركة
يا رغيف مكسيم غوركي المبلل!
وأنا لي رغيفي المسروق والمبلل
كيف أنتزعه من مخزن الحرية والحب أيضا.
هي ألوان الشاعرة الغريبة، ما يذهل ويميز خصوصية تجربتها، وذلك يفتح الطريق واسعاً أمام المعنيين الرسميين وغير الرسميين لطبع أعمالها الكاملة وسيرتها الذاتية. هل دعد حداد في حاجة الى وسيط إذا حضر شعرها؟ هل تريدون أسطورةً أمتع من هذه المتصعلكة البارعة في الحياة، الشاعرة أولاً وأخيراً، والإنسانة دائماً وأبداً؟!