الجمعة 3 نيسان 2020 | 2:26 مساءً بتوقيت دمشق
عمر الشيخ

تواصل الاستنزاف

تواصل الاستنزاف
سعد يكن، فنان سوري
  • الأثنين 27 كانون الثاني 2020

تحرّض الجدران الافتراضية عبر شاشات آلاف السوريين، المخيّلات النائمة على ارتجال المنشورات وتقديم الأفكار اليوميّة كوجبة تعريفيّة حول أمزجة الأصدقاء المشتركين؛ صور، فيديوهات، تعليقات، مشاركات، وكل شيء على الشاشة يحدث بكبسة زر.
بناء مواقف وانتشار أخبار، إقصاء من هنا، سجال من هناك، ما الذي يحدث في العمق الاجتماعي السوري؟ لا أحد يعلم! إلا المؤسسات المختصّة بدراسة طباع المستخدمين واهتماماتهم، وذلك كي تستثمر إعلاناتها ودراساتها من أجل تحريك الرأي العام تفاعليًّا وافتراضيًا، ولاحقًا يتمّ بناء منظومات موسّعة للتعامل مع المنطقة وإشغالها قدر المستطاع بما يستنزف المخيّلة ويضيّق مقدرات العقل البشري للسوري، على العمل والتفكّر والإنتاج ومحاولة القيام من آلام الصراع نحو الإيمان بالحياة والتمسّك بتجريب الخيارات "الواقعيّة" بحثًا عن الذات.
الجميع لديهم من الهموم والمشاغل ما يسد رمق الصحاري، عشبًا وأنهارًا! ولكن لو اكتفينا بمراقبة ما يحدث على مواقع "اللاتواصل" الاجتماعية سوف يهب علينا سعير الصرخات، والزيف الإنساني، وتفريغ مئات العقول المبدعة أينما وجدتْ في سورية، من الطاقات والألوان والكلمات والأفكار والمحاولات الأولى، تفريغ الحدث من حرارته والاعتياد على مشاهد الموت والدمار والتهجير والغرق واللجوء والقتل والذبح... إنّ تلك الجدران التي اختير لها اللون الأزرق، كنافذة إلى السماء، تحكمنا يوم بعد الآخر وتجبرنا أن نسجّل اعترافات ونكره ونحبّ ونعجب وننفعل ونبكي ونضحك... وكل ذلك بكبسة زر..!
نتواصل مع الآخر، أجل، نقارب الأفكار، نزداد ثقافة، ربّما، لكن ما هو الثمن؟ إنّ الحياة التي فقدت تقريبًا كل مظاهر الحالة "الاجتماعية" الملموسة الواقعيّة، تحوّلت بفضل محاولة تقزيم القدرات البشرية إلى معسكر العالم الإلكترونيّ كلّيًّا، لم يعد هناك – على المستوى العربي و السوري- ما يشغل تفاصيل الحياة سوى حفنة صفحات، منها للنكات ومثلها للأخبار "العاجلة" وثالثة للمعجبين ورابعة لفنان وخامسة لبرنامج تلفزيونيّ وهكذا...! إننا نوسّع بيكار العالم الافتراضي أيّها السادة، لتتحوّل كل حياتنا إلى مجرّد افتراضات وبالتالي نحن فقدنا القدرة على النطق وتداعي الأفكار والحركة حتى في بيوتنا! والبحث عن الجديد في حياتنا مهما كانت مراراتنا متفاوتة الأهمية في الداخل أو الخارج، تحوّلنا جميعًا إلى التواصل الاستنزافيّ الذي قد يفنى بكبس زر واحدة "format".
لارنكا
21-3-2017