الجمعة 3 نيسان 2020 | 2:3 مساءً بتوقيت دمشق
نجيب نصير

شاعر القبيلة

شاعر القبيلة
مروان قصاب باشي، فنان سوري (1934- 2016)
  • الأحد 19 كانون الثاني 2020

لا أستطيع أن أقدّر كم ينسحب الفن التشكيليّ على الشعر نقديًّا، ولكن عبارة قالها الأستاذ الفنان القدير مروان قصّاب باشي، على سبيل النقد والتقييّم، إذ قيل له هل تريد أن ترسم فنًّا، أم سياسة؟
لا أقول جازمًا بأنّ هذه العبارة تنطبق تمامًا تمامًا على الشعر، كوسط ووسيط تعبيريّ، يترافق مع الفنون الأخرى في التجربة المعرفيّة، ولكنّي ألمّح إلى أنّ الشعر لا ينفصل عن مدلولاته، لأنّ اللغة التي يستخدمها جاهزة للتراصف، كجملة مفيدة يسيطر عليها القصد من مديح وهجاء ووصف وتأريخ ...إلخ، فهل من الممكن كتابة شعرًا صرفًا على قياس اللوحة أو الموسيقا أو الرقص؟
لربّما كان امتداح الجمال والخير شعرًا صرفًا، وكذلك ما يقابله من ذمٍّ للبشاعة والظلم والخوف، ولكن هل هذا يكفي لإنتاج شعرًا صرفًا، على قياس اللوحة الصرفة؟ هل نلمّح إلى وجود تناقض غير إبداعي بين الفنون؟ أم أنّه علينا استيراد الشعر كما استوردنا اللوحة، والمسرح، والموسيقا ...إلخ، لنكتشف تجربة معرفيّة مغايرة عن تلك التي عهدناها؟
هذا ما يعيدنا إلى شاعر القبيلة، ذو الوجهين المحليين، الإبداعي، والإعلامي كنقطة انطلاق، وبصرف النظر عن مفهوم القبيلة ونوعها وتطوّراته عبر الزمن، فهل الشعر الذي يكتبه البعثيّون هو غير الشعر الذي يكتبه الشيوعيّون؟، أو الشعر الذي يكتبه السُنّة، هو غير الشعر الذي يكتبه الشّيعة أو المسيحيّون؟ وهل هذا ما يمكن تسميته تنوّع، أو فسيفساء جميلة؟
ومع الاعتراف بأنّ الشعر هو إبداع فرديّ متمايز حسب التجربة المعرفيّة لصاحبه، إلا أنّ ذلك يتعاكس تمامًا مع واقع الشعر المنسوب لشاعر القبيلة، الأساس التّأسيسيّ للشعر بالعربيّة، ومعياره الأوّل، خصوصًا في لحظة اندماجه مع مقاصده في تعبيرها عن سقوف المعرفة واختصاصاتها.
فهل ما زال شاعر القبيلة، ينضّد لنا المعاني، ويترك لنا الحروف والقوافي؟ وهل يمكننا اعتبار الشعر بالعربيّة دخل مرحلة الحداثة المعرفيّة، أم أنّه لمّا يزل في مرحلة "باب الحارة" شعريًّا، ربّما كان التلقّي هو المعيار الأكثر شيوعًا، وهو الذي يصرّ على الإعادة كتجربة كلثوميّة، لا يستطيع أحد التشكيك بها.