الأربعاء 23 حزيران 2021 | 3:2 مساءً بتوقيت دمشق
د.باسل المسالمة

عصفور في الظلام

عصفور في الظلام
نذير إسماعيل (1948- 2016) فنان تشكيلي سوري
  • الجمعة 25 كانون الثاني 2019

 

* توماس هاردي

نغمات محايدة
وقفنا بالقرب من بركة في ذلك اليوم الشتوي،
وكانت السماءُ شاحبةً، كما لو أنها تلقّت عقوبة من الله،
وبعض أوراق الشجر تتوضع على الأرض الجائعة،
كانت قد سقطت من شجرة الدردار بلونها الباهت.
كانت عيونك تنظر إلي كأنها عيونٌ تطوفُ
فوق ألغاز مملة حُلَّت منذ سنين خلت،
وكنا نتجاذبُ بعضَ الكلمات فيما بيننا،
ففقدنا كلمات أكثر بعشقنا.
بدت الابتسامةُ فوق شفتيك بلا حياة
كانت حيةً بما فيه الكفاية لتتمكّن من الموت،
وظهرت ابتسامةٌ مستاءة نتيجة لذلك،
كأنها طيرٌ مشؤوم يُحلِّق فوقنا ..
منذ ذلك الحين، دروساً لاذعة بأن العشق مخادع،
ويلفّه الخطأ، قد رَسَمتْ لي
وجهك، والشمس التي لعنها الله، وشجرة
وبِركة محاطة بأوراق باهتة.
**** 


قارع الطبل هوج
لقد ألقوا بقارع الطبل هوج، ليرقد بسلام
بلا تابوت مثلما وجدوه تماماً،
كانت علامة مكان دفنه تلة صغيرة
برزت بوضوح في السهل العشبي،
حيث تغرب في كل ليلة
نجومٌ غريبة فوق قبره.
لم يعرف قارع الطبل اليافع هوج شيئاً،
إذ جاء غرّاً من بيته الريفي في ويسكس،
عن معنى النجد الواسع،
والأجَمَة، والتربة الخصبة،
ولماذا ترتفع في منظر الليل
نجومٌ غريبة وسط الشفق.
ومع ذلك سيبقى هوج دائماً
جزءاً من ذلك السهل المجهول،
حيث ينمو عقله وصدره القادم من الشمال
ليغذيا شجرةً جنوبية.
حيث تسيطر عيونٌ غريبة تشبه النجوم...
على نجومه إلى الأبد.
****


في زمن انكسار الأمم
I
مجرد رجل يسحو كتلَ التراب
في سير بطيء وصامت
مع حصان كهل يتعثر ويكبو،
شبه نائمين في سيرهما المختال.
II
مجرد دخان ضعيف دون لهب
من كومة أعشاب ضارة؛
مع ذلك سوف يستمرّ ذلك
على الرغم من اندثار سلالات حاكمة.
III
هناك امرأة وزوجها
يهمسان لبعضهما:
سوف تذهب سجلاتُ الحرب أدراجَ الليل
قبل أن تموت قصتهما.
***
عصفور في الظلام
اتكأتُ على بوابة مغطاة بالخميلة،
عندما كان الصقيعُ رمادياً كالشبح،
وذيولُ الشتاء جعلت
عينَ النهار الخافتة بائسةً وحيدة.
وصلت عروشُ العنب المتشابكة إلى السماء
وكأنها أوتارُ قيثارة مُتقطِّعة،
وكل البشر الذين يترددون إلى المكان
كانوا يسعون إلى نيران بيوتهم الدافئة.
بدت لي سماتُ الأرض الحادة
وكأنها جثة القرن امتدت من تابوت،
وسرداب القرن كأنه غطاءُ الغيوم،
والرياح أنشودته الجنائزية.
نبض المنشأ والولادة القديم
تقلّصَ وأصبح قاسياً وجافاً،
وبدت كل روح تدبُّ على الأرض
إنها خامدة مثلي.
وفي الحال ارتفع صوتٌ عالٍ بين
الأغصان الكئيبة فوق الرؤوس،
ليغني أغنيةً كنسية في المساء
عن فرح لاحدود له.
عصفورٌ كهل، ضعيف، كئيب، نحيل،
يكسوه ريشٌ قذر ومجعّد،
اختارَ أن يقذفَ بروحه
نحو الكآبة المتعاظمة.
لم يكن هناك سببٌ وجيه للترنيمات
الصادرة من هذا الصوت المنتشي،
التي كانت قد كُتبت على أشياء دنيوية
سواء بعيدة أم قريبة من حولنا،
إلى درجة أنني اعتقدتُ بأنه ارتعش هناك عبر
أثيره الليلي السعيد
أملٌ مبارك عرفه الطائرُ،
ولم أدركه أنا.
**** 


إلى الحياة
آه أيتها الحياة بوجهك الذابل والحزين،
إنني متعبٌ من رؤيتك،
وأنت تجرين خلفك عباءتك،
وخطاك العرجاء
ومزاحك الثقيل جداً.
أعرف ما لا ترغبين قوله
عن الموت، والزمن، والقدر
لقد عرفتُ ذلك منذ زمن، وأعرف جيداً
ما يعنيه ذلك كله بالنسبة لي.
ولكن هل تستطيعين ألا تُلبسي
نفسك قناعاً نادراً،
وأن تتظاهري بشيء يشبه الحقيقة، ليوم مجنون واحد فقط،
بأن الأرض هي الفردوس؟
سوف أجعل نفسي منسجماً مع المزاج،
وأرتدي قناعاً معك حتى المساء،
وعندئذ
ربما أؤمن بما أبدعه كلحن. 

****

نتيجة الصورة ل توماس هاردي

(1840-1928) Thomas Hardy
كان توماس هاردي روائياً وشاعراً إنكليزياً وكاتباً واقعياً من العصر الفيكتوري. تأثر بالرومانسية، وخاصة بالكاتب وليم وردزورث وتشارلز ديكنز اللذين كان لهما أثر كبير في أعماله. اهتم هاردي، مثل ديكنز، بنقد عادات المجتمع الفيكتوري وتقاليده، لكن هذا الأخير ركز بشكل أكبر على الطبقة الريفية. كتب هاردي مجموعة شعرية ولكنها لم تُنشر حتى عام 1898، واكتسب شهرته في بداية حياته المهنية كروائي أكثر منه كشاعر، من خلال روايات: "بعيداً عن صخب الحياة" (1874)، و"عمدة كاستربريدج" (1886)، و"تس من آل دربرفيل" (1891)، و"جود الغامض" (1895). كان لشعره في الخمسينيات من القرن العشرين جودة مماثلة لرواياته، وتأثير واضح في حركة الشعراء خلال الخمسينيات والستينيات من القرن العشرين، خاصة على الشاعر فيليب لاركن. تدور أغلب أحداث أعمال هاردي في ويسكس، وهي مقاطعة تصارع فيها مجموعة من الشخصيات أقدراها وظروف حياتها.
في عام 1898، نشر هاردي أول أشعاره بعنوان "أشعار ويسكس"، وهي مجموعة شعرية كُتبت على مدى ثلاثين سنة. كتب هاردي بأشكال شعرية مختلفة مثل الشعر الغنائي، والبالاد، والهجاء، والمونولوج الدرامي، والشعر الحواري، كما كتب شعراً عن الحرب تناول فيه حروب البوير والحرب العالمية الأولى، مثل قصيدة "درمر هوج"، و"في زمن انكسار الأمم"، وكان لشعره هذا تأثير عميق على شعراء الحرب الآخرين مثل روبرت بروك وسيغفريد ساسون.
ولد هاردي في أبربوكهامبتون في دورسيت في إنكلترا، ويُعَدُّ هاردي من أوائل شعراء العصر الحديث، ويربط بين العصر الفيكتوري والحديث ليس بسبب طول عمره فحسب، بل بسبب جمالية شعره التي تتسم بالحزن الرومانسي والشك الحداثي. يكتب هاردي عادة بنموذج المقطع الشعري التقليدي ويلتزم بالوزن، لكن تراكيبه خشنة. استنبط هاردي من الأنواع الأدبية مثل شعر الحب وشعر الحرب والسونيت والمرثية والملحمة، ولكنه يشوه كثيراً من تقاليدها. كان هاردي من أوائل الشعراء الذين تحدثوا عن الأعباء النفسية ومظاهر القلق والتناقضات الموجودة في المجتمع، وعلى الرغم من أنه قال إن الشعر "قلب الأدب"، إلا أن قصائده تميل إلى التواضع. صرّح الشاعر ويستن هيو أودن بأنه وقع في حب شعر هاردي عندما كان في السادسة عشرة من عمره، وظَلَّ يقرؤه لمدة عام كامل دون غيره من الشعراء. كان هاردي شاعراً حديثاً دون أن يكون حديثاً جداً، تأثر به كل من فيليب لاركن وجيمس رايت، وعدَّه عزرا باوند من الشعراء الذين ينتمون إلى المستوى الذهبي، أو ممن اختبروا الشعر "اختباراً حقيقياً"، فقال باوند في إحدى رسائله عام 1934: "لم يعلمني أحد شيئاً عن الكتابة منذ أن توفي توماس هاردي". في آخر حياته أصبح هاردي مقتنعاً بأن القوة التي تحكم الكون لا يمكن أن توصف بأنها الله، واحتفى بموت الخالق في إحدى قصائده المرثية بعنوان "جنازة الله". لم يكن لهاردي ثقة بإله خارق، وبقي مغرماً بقوى يعطيها أسماء متجددة.

 

(مختارات من كتاب: قبضة ملح لعشرين شاعراً بريطانياً حديثاً، ترجمة وتقديم: د.باسل المسالمة، يصدر قريباً عن دار التكوين السورية)