الثلاثاء 10 كانون الأول 2019 | 8:19 صباحاً بتوقيت دمشق
أحمد محمد السح

من جعل القصيدة من صنفِ الدواجن؟

من جعل القصيدة من صنفِ الدواجن؟
مقبول فدا حسين، فنان من الهند.
  • الأحد 10 تشرين الثاني 2019

يبدو أنّ قساوة النصّ القرآني في وصف الشعراء "الغاوون (...) في كل وادٍ يهيمون" كان التحذير الأساسي لمرحلة القبض على الشعراء وكمّ الأفواه الممنهج مع نشوء وتطوّر الدين الإسلامي، وكانت عملية المنهجة مبنيّة على التوجيه والتحديد، والأكثر من ذلك التركيز على التقييد، والتقييد في الشعر يعني تقليم أظافر، وقصّ أجنحة حيث يصير الشعر داجنًا أليفًا وشيئًا فشيئًا يتحوّل إلى الإهمال والزوال.
لكن الرصد التاريخي للمرحلة الشعريّة ستكشف أنّ جماهيريّة الشعر عادت وانطلقتْ بعد انتهاء مرحلة الخلفاء الراشدين وازدهار دولة بني أمية التي أعطت الشعراء المال والمساحة فسادت الأفكار وتقلّصت القيود، فهل كان الأمويّون أحنّ على الشعر من الخلفاء الراشدين؟ الحقيقة نعم؛ لأنّ النبي العربيّ محمّد جاء برسالة، كان أحد الأخطار عليها أن تُشَبّه فحواها بالشعر، وبالتالي يتحوّل النبي إلى مجرّد شاعر _ثمّة تحذير قرآني من هذا الأمر وارد في عدّة سور_ فتزول القدسيّة وتذرو الكلام القدسيّ رياح الانتقادات.
حسّن الإسلام من وضع لغة الخطابة وقلّص حضور الشعر، وهذا معروف في الأوساط الأدبيّة والمراجع النقديّة، لكنّه حين بدأت "التفتقات" الفكريّة عاد الشعر لمراحل الازدهار بالمعنى "الاهتماميّ" السلطويّ، أي سنجد _بوضوح_ أنّ السلطة التي اهتمّت بالشعر، جعلته في عين اهتمام الجماهير والجهة التي وقفت معه حيادًا تركته يمضي في سبيله، لكن السلطة التي كرهت الشعر قزّمته وقزّمت أهمّيته في رؤوس الشعوب.
في المرحلة التي جاء فيها الاحتلال العثمانيّ ليسيطر على البلاد، اجتاح العثمانيّون الشعر، لأسباب عدّة أوّلها أنّ الأتراك كانوا يخشون أن يظنّ أبناء جلدتهم أنّ كلّ كلامٍ عربي فصيح يحفظه الشعب قد يختلط عليهم فيظنّوه شيئًا من القرآن لأنّهم لم يكونوا يتقنون اللغة بشكلٍ جيد، إنّما كانوا يحفظونها لغوًا لا فهمًا، وإن كانت هناك محاولات بتكسير اللغة وتجهيل المجتمع وتقزيم الشعر والشعراء؛ بدأتْ مع مرحلة احتلال وسقوط بغداد على يد المغول مرورًا بمرحلة المماليك إلا أنّ الضرب الأكبر لجذر الشعر كان في عهد العثمانيين.
مع مرحلة النهضة العربيّة بدأ الإحياء التثقيفي للمجتمع على يد الشعراء، يذكر منهم محمود سامي البارودي، ثم حافظ ابراهيم وأحمد شوقي، بشكلٍ بارز وأساسي، مرورًا بكلّ التجارب الشعريّة التي شكّلت تجمّعات أو فرادى، معتمدةً على القصيدة كوسيلة توعويّة للمجتمع في استنهاض روحه، وإن كانت هذه الحالة التوظيفيّة للشعر لا تخدم "الفهم الحداثويّ" له، إلا أنّها بشكل أساسيّ تشكّل العناية الفائقة من قبل المجتمع والسلطة للشعر، فهذا الاحترام كان ضروريًا للشعر والشعراء، حتى يكون للناس الانصياع الطوعيّ لعصا الشعر السحريّة التي تأخذ الأفكار إلى عالم الخيال الحالم الإبداعي الذي يقشر وجه الواقع الكالح ويعيد طلاءه من جديد بألوان زاهية بعد أن ملأها الصدأ بما ملأ.
سنواتٌ قليلة مرّت، اعتصرتْ فيها القصيدة العربيّة التجارب الطويلة للمذاهب الشعريّة في العالم سريعًا وكأنّها تمارس العادة السريّة على عجالة بمعزل عن الواقع والجمهور، فعرفت الواقعية والإبداعية والاتباعية والوجودية والرمزية والسوريالية، وربما حتى الدادائية المنقرضة غربًا عُرِفت في القصيدة العربية خلال مدة قصيرة لا تتجاوز نصف قرن، وفي كل مرة كان الناس يحاولون الوقوف والتمهل، لكن قطار القصيدة العاصف كان سرير متكئًا على دخان القصائد وسجائر الشعراء العريضة، وأنفاس النقاد الثقيلة تعمي البصيرة عن تحوّلات القصيدة السريعة من حيث التطور والانتكاس، وارتبط ذلك سياسيًا بشكل أساسي بالتحوّلات السياسيّة لمراحل ما بعد الاستقلال واستقرار السلطات في المنطقة العربيّة، لنجد أنّ هذا الاستقرار لم يكن في صالح القصيدة على الإطلاق، بل إن القصيدة كانت تستغلّ فترات التقلبات والفوضى السياسية لتعبر عن لمعاتها الخاطفة، لأنّ السلطة كانت تسارع إلى تفريد أسنان الشعراء على الفور وإعادة إدخال أقلامهم إلى المبراة الواحدة الموحدة التي تخصصها بما يتناسب مع وجهة نظرها، والأهم من هذا وذاك هو شراء الذمم للشخصيات الأدبيّة وجذب من تريد إليها واستبعاد الآخرين عنها وتشتيت شملهم، ويبدو أنّها الوصفة الأسهل؛ فليس أحبّ إلى قلوب الشعراء – على ما يبدو - من أن يكونوا انعزاليين ونرجسيين وطاعنين بتجارب بعضهم البعض. فالملاحظ بعد نهاية السبعينات انقرضت الأجيال الشعريّة وأصبحت العلامات الفارقة في الشعر تقتصر على أسماء أو ربما قصائد يتيمة لأسماء يعترف بها ويعرفها المهتمّون بالشعر، لا الجمهور بشكل أساسيّ، والسبب في ذلك أنّ الشعر خطير، ووحدها السياسة تعرف خطورة الشعر، وتعرف أنّه إذا مرّ بالأدمغة والقلوب حرّكها، وهي إن تحرّكتْ حرّكتْ الأفكار والسواعد، ومنعت الإنسان من الانبطاح للواقع الملعون، فالشعر حتى وإن لم يكن توعويًّا إلا أنّه بشكلٍ أساسيّ، يمنع موت الأدمغة، ويعرّينا من الاستكانة والخضوع، وهما الاكسير الذي عاشت بهما أفكار المستبدّين، التي تهرع لتختبئ وراء النعت القرآني للشعراء بـ "الغاوين"، متجاهلةً الاستثناء الذي استكمله النص القدسيّ وفقًا لتصوّره، ومتجاهلةً ضرورة إعادة قراءة النصوص المقدّسة من جديد قراءةً معاصرة! فكيف بالشعر والقصائد الذي لا تتمنّى له أن يقال أو يُنشر!؟