الجمعة 18 تشرين الأول 2019 | 8:3 مساءً بتوقيت دمشق
عبد المجيد محمد خلف

سوريّون يحملون أحشاءَهم كظروفٍ بريديّةٍ

سوريّون يحملون أحشاءَهم كظروفٍ بريديّةٍ
ميريام حداد (1991) فنانة سورية.
  • الثلاثاء 8 تشرين الأول 2019

التناسل على أشدّه، يطلقها السوريّون نشيدًا يوميًّا مع ترّهاتهم التي لا تنتهِ، الأطفال سيروون شبقَ الأرضِ بأيديهم، ويردّدون الصرخةَ الأبديّة في لحظة ملامسة أرواحهم ساعةَ الظهيرة، لترتفع رؤوس الأشجار عاليةً، ويطأ النباتُ بسنابك خيله الفتيّة ترابَ المسافات، فتتباهى السهول بمحصولها الوفير، وتعبق في الكون رائحة الرياحين المطهّمة بألقِ الفجر، ونقائه.
ما زالت الدروب متعرّجة، والنسل يملؤه حنينًا، بخطواته الوئيدة؛ نحو المحطة الأخيرة لميلاد وطنٍ لا يبارح مخيّلة الشفق الذي يبرق على نحوٍ ضبابيّ متّزن، ليصبح سيّد المواقف كلّها، لميلاد ذاكرةٍ تستعجل تباريح شوقه لعناق المساء، عندما يسدل الليل ستائره الواهنة، المنسوجة بخيوطٍ عنكبوتيّة، تفصل خطوات الرحيل عن بعضها، فيكون البقاء مقاومًا الغربة في نزاعٍ لا يهدأ، وحين يأتي النهار الموعود، يحمل السوريّون نسلهم، ويمضون بعيدًا، من غير وداع، تاركين صداهم في قلب الجبال التي تردّها إليها في وحشةٍ وحنينٍ بائس.
كانت الشمس، وكانت الدروب المنكسرة مرّةً أخرى، تنتظر هي أيضًا هناك، تفتح ذراعيها للريح، فتطلّ برأسها مختصرةً مسافات القُبَل، بين شرقٍ تائهٍ، وغربٍ يرقص على أوتار الغد الذي يعِدّ بالخبز كلّ لحظة.
انتشرت رائحة الحرائق، وباتت النار سيّدة المشهد بأكمله، تروي حكايتها عيانًا، لينطلق السوريّون نحو كلّ الطرقات، يسدّونها بأشواقهم اللامتناهية للعودة، حاملين أحشاءهم كظروفٍ بريديّة، ليزرعوا البذرة الحمقاء في غربةٍ أخيرة، في منفًى أخير، وتبقى البذرة تتكاثر، فيزداد الحبّ، ويزداد الغضب المشتعل تحت الجلود التي فقدت روحها ذاتَ صهيل أعلن ولادة القهر والظلم في تاريخ وطنهم، لتكبر الحكاية وتملأ الدفاتر بسطورِ الشوق، وتهطل حبّات العرق والدّم في كرنفال الاستلاب لأرواحهم، عبر تلك الحدود المترامية أبعد من صدى قصيدةٍ مكتوبةٍ بمدادٍ من دمّ.
يبتلع البحر تلك الأحشاء، وتأكل الغابات ما تبقّى من هيكلٍ مفارقٍ لجسده، ينتظر قبرًا يحتويه؛ فيضع لآلامهِ النهايةَ السعيدة، ويظلّ البابُ مفتوحًا على مصراعيه لقوافلَ تأتي وتجتاز العتبات، عتبةً عتبة، وتدوّن في الغيب الباحث عن خاتمته الضائعة أسطورة عشقٍ لم ينجبل بعد، خلفَ تلك المعسكرات الشقيّة، حيث لا صياح، لا كلمات، ولا أقلامٌ تتهيّأ لبروقِ الكتابة، حيث يختلط اليباس بالشفاه الميّتة، والغبار يفسح الطريق لدخول الموكب، بالمشهد ذاته، يقتسم خبز المجزرة، لتتساقط من لهاثها الأنفاس، وتعلن الخناجر الصدئة عن ميلادِ الفراغ والأغاني، وترقص الأرواح في ملاهيها الليليّة، وتحمل أحشاءها كبريدٍ في تلك القفار، نخبَ غربةٍ حمقاء، نخبَ بذرةٍ حمقاء، ستملأ بها الأودية، ويبقى الحنين إلى الشرق شعارًا مرفوعًا كلّما هبّت الأشرعة، واضعةً أقدامها على الميناء؛ إيذانًا بوأد الحلم للعودةِ عبثًا.