الجمعة 18 تشرين الأول 2019 | 6:45 مساءً بتوقيت دمشق
أضواء المدينة للشعر ودراساته

أُشْبِهُ الماء لكنّيَ لا أمنحُ الحياة

أُشْبِهُ الماء لكنّيَ لا أمنحُ الحياة
فان كوخ (1853 - 1890) فنان هولندي
  • الأحد 6 تشرين الأول 2019

مختارات شعرية لعبد الله بلحاج، وهو شاعر ومترجم مغربـي. ولد عام 1989 بمدينة طنجة. صدر له في الشّعر عام 2018 ديوان "أقفال صغيرة" عن بيت الشعر في المغرب وهنا بعض القصائد من هذا الديوان وأخرى تنشر بالاتفاق.
بداية*
أبدأُ في الكتابةِ حيثُ انتَهى ابتدائِيَ الأخيرُ
أنتهي مُبتدِئًا
وأرسُمُ ما شئتُ
ذاكرتي تَبحَثُ عنْ خيطٍ يصِلُها بنبضها
***
مَدار
كان عليّ انتعال أحذيةٍ مختلفة
حتّى أعرفَ الطَّريقَ مِنَ الطّريقِ
***
دوّاسة العدم
زعيقُ سيَّارَةٍ أزاحَ الهدوءَ عنِ الشّارع، ويبدو أنّ السّائقَ لمْ يستخدم المُنبّهَ لشيءٍ مُحدّد، إذ ليسَ في الشّارع سوايَ وقطّة سوداء تتسلّقُ شجرةً حانية.
سيّارة رمادِيّة وطريقٌ يميلُ لونُهُ إلى الشّحُوب، على أطرافه ساريَةٌ بمصباحَيْنِ، الأيمَنُ يضيءُ بثباتٍ، والذّي على اليسار ما إنْ أرفَع عينيَّ نَحوَهُ حتّى تحصُلَ في الرّؤية تذبذُبات.
سيّارَةٌ يسوقها شخصٌ -ربّما يَعرفُني ولا أعرفُهُ- تزعقُ بلا سببٍ مِمّا يُحدِثُ ارتعاشاتٍ عِندَ القطّة، وحالة ذهولٍ عِندَ الشّجرة الصّغيرة!
*
أسوقها حَياةً رماديّةً
عَبْرَ شوارعَ ذاتِ ألوانٍ باهتةٍ
بِهُدوءٍ
أسُوقُها
***
مَسلكٌ
بَيْني وبين هذا الكلبِ عِدّة فروق:
صحيح أنّي أنبحُ مثله، أمشي باعوجاجٍ مثله
أنّي لعـقتُ بلساني البارد جماجم موتى قبل أن أرصّهم في مقبرة الشّعر، أنّي أنبشُ التُّراب بسيقاني و...
وصحيح أيضًا أنّني اشتغلتُ حارسًا لإحدى الفيلّات
ربطوني عاميْن إلى سارية الضّوء وناموا
ناداني أطفال الحيّ: يا كلب،
كان هذا مألوفًا!
رموْني بالأحجار وجلسوا قبالتي
يستمتعون بصوت النباح الذّي أصدِرُه
عند ارتطام الحجر بقفصي الصدريّ البارز.
*
وصحيح أيضًا أنّ راعِيَ غنمٍ طاردني
بعدما أكلتُ إحدى خرافِهِ الصّغيرة دونَ رحمة،
طاردني إلى بعيد في الغابة، بل أبعد..
حيثُ أرضٌ مغطّاة بالأعشاب
أعشاب رَسَمَها شعراءُ
على أحجار حزينة.
***
نهر*
النّهر الذّي جفّ نبعُهُ في الرّيف
لعلّهُ الآنَ -بيْنما أكتُبُ- يلفظُ أنفاسَهُ الأخيرةَ
بدَفْقَاتِهِ التّي تُؤْذِنُ بالنّهاية
يرْوي ثلاثَ أو أربعَ نبْتاتٍ
تنمو عِندَ أطَرافِ فمِهِ.
أنْتظرُ حتّى ينزلَ الظّلامُ
لأُشعِلَ نارًا وأُعِدَّ فَوْقَها شَبَكَةَ شِواءٍ
أنتَظِر حتّى يمُوتَ النّهر
لأتمدّد بَعْدَها على الأرض القاحلة
لأنام وأتنفّس هواءً
لَمْ تَتَنفَّسْهُ أسماكُ النّهر
وفَوْقَ النّار أشْوي أصابعي هذه
أصابعي التّي تبكي بلا هوادة.
***
مدينة محاصرة *
يكفي أنْ أقولَ:
فوقَ رأسك ينمو عشبٌ أسوَدَ،
حتّى أعرفَ ما في قلبك مِنْ جذور
*
تحتَ رغباتِ الأشياء أعيشُ
أتفرّعُ في الفضاء
لعلّ ثمارَ الأمنيات
تسقطً على أغصاني
*
أسافِرُ إلى المدنِ المحاصرة
أختارُ زاويةً لا جُنودَ فيها
وأرسُمُ على الجدار
رأسًا حليقةً
*
بين الأحراش ننامُ
أنا وأنا
نسنِدُ رأسَيْنَا
إلى منجل.
***
بيْن حَاجِزيْن *
يا أمّي
قتلوهُم جميعًا
سِواي
تركوني على التُّخوم
كإشارةِ عُبورٍ بيْن حاجزيْن
تدهسُني الآلات العابرة.
***
مِرآة*
سرقتُ كُلَّ شيءٍ
صوتَ النّاي كيْ يظهرَ الحُزنُ
قصائدَ مِن شُعَرَاءَ أحِبّهُم نِكاَيَةً بـهم.
في الصّيفِ
بعدما سَحَبَهُ البحرُ مِنّي.
سرقتُ السّروال الشّاطئيَّ
مْن أحَدِ الغرْقى
وفي الشّتاء؛
سلخْتُ الفرْو مِنْ قطّةٍ
وصَنَعْتُ مِنهُ قبّعةً
لأنّ دمي باردٌ في كُلّ الفصول
*
حتّى صوتي
-الذّي لا قيمة له في عالم الموسيقى-
سرقـتُه
سرقتُ الحنجرَة وتفّاحَةَ آدَمَ
سرقتُ قلبي من صخرةٍ كبيرةٍ
وروحي
مِنْ نـهرٍ يجري
***
ها هوَ يكتبُ*
ها هُوَ يُلْقِي بكلامٍ يحمِلُ أمراضًا
في وجهِ القارئ
يقول: قصائدِي هذِهِ أكتُبُها كما هِيَ
مريضةً بكُسَاحٍ في الأطراف
أو بسرطانٍ في القلب
*
ومثلما يحدثُ في سيناريوهات شاهدَهَا في فيلمٍ
يطْوي طُرُقًا
ويـبـسُطَ أخرى
يفزَعُ لجُرحٍ في يدِ بائع أسماكٍ
ومِنْ قلبِهِ يُخرجُ يدهُ البيضاءَ كمنديلٍ
يجفِّفُ بها دُموعَ الموج
*
ها هُوَ يكُتبُ
ها هوَ يأخذهُ التّعبُ
يترُكُ الوردَةَ تذبلُ
ودونَ أنْ يرْويَ عَطَشَ التُّربةِ
ينامُ على الأرضِ المشقوقة
***
ردهة*
حياتي مفتاحٌ ضائعٌ
وقصائدَ مجروحة
*
أصابعي أعناقٌ صغيرةٌ
لطُيورٍ مذبوحةٍ
***
آنية الطين *
إلهي
عليَّ أنْ أفعَلَ شيئًا آخر
غير التّحديق إلى قصائدَ ميّتة
وإلى كتبٍ مُكتئبةٍ على الرّفوف
أنْ أغسل -مثلًا- يدَيَّ جيّدًا
وأخرُجَ بعدها
كي ألتَهِمَ التُّـراب.
***
حُبّ
لا أبحثُ عن وردةٍ في لغةٍ قديمةٍ،
أريدُ أن أقفزَ حول الزَّمنِ
كما يقفزُ طفلٌ على أحبولةٍ،
أنْ يكونَ حُبّي للوردة كحُبّي لكِ،
وأنْ أخجلَ إنْ رأيتُكِ تبكينَ.
***
حاجز*
لا أكتُبُ شيئًا
ولا تكتبني الكلمات
*
الحفرة التي أرسمها أسقطُ فيها
والأسلاك الشائكة هَذِه
تمنعني من العبور
إليك.
***
حُبٌّ ينْزلُ*
أفكّرُ جِدّيًا بأنْ أكون صريحًا
وأحدّثكِ عن الأشياء التّي تركتْ في قلبيَ هذه النُّدب
أنْ أبوح لك بالقصّة التّي قرأتها أكثر من مرّة
دون أن أكترث لمن خرج منها حيًّا
ومَنْ خرج وفي يده حُبّ
ودون أن أغلق الباب أتركُ القصّةَ مفتوحةً
يدخلُ عبرها آخرون
يدوسون صفحة قلبي
يصنعون لأنفسهم حبيباتٍ أخرياتٍ
ونهاياتٍ أخرى
تنعطف عند إحدى الأزقّة المُظلمة
*
أُشْبِهُ الماء لكنّيَ لا أمنحُ الحياة
أكثر شفافيّةً مِنه لكنّي متصلّبٌ
أكثر سذاجةٍ مِن قصص الأطفال
أنا جحا ولا مسمار لي
أنا كلبٌ أعمى
يجُرُّني حُبٌّ أبْكَم.
***