الأحد 22 أيلول 2019 | 2:45 صباحاً بتوقيت دمشق
أضواء المدينة للشعر ودراساته

مختارات من مجموعة "في الوقت بين سيجارتين"

مختارات من مجموعة
غلاف المجموعة
  • الخميس 29 آب 2019

هذه القصائد من مجموعة الشاعر اللبناني فوزي يمّين، الجديدة وهي بعنوان: "في الوقت بين سيجارتين" الصادرة عن دار النهضة العربية-بيروت، تم اختيارها بالاتفاق مع الشاعر. 
***
خصلة دخان:

آخر الليل
حين تسكت الدّنيا كأنّ أحداً أطبق يدَه بشدّة على فمها،
آخذ سيجارة طويلة الأظافر وأشعلها،
أسرحُ وأمرحُ بين خيوطها قدر ما أستطيع،
ثمّ أفتحُ الشبّاك وأدخَّنُها إلى آخر درفة،
حتّى إذا ما باغتني أوّل ضوء يلامس السّماء
لم يجدْ منّي سوى خصلة دخان مبعثرة على وجه الفجر.
****
عبور:
الكلمات التي أهملتُها وأنا أكتب
تلك الدّروب المنسيّة
أين صارتْ؟
البارحة حين أمطرتْ بغزارة انتبهتُ إلى البحر،
ومن وراء غيمة أطلّتْ عليّ السّماء.
أيّها العابرون إلى النّسيان، تذكّرتُ:
حين عقصتُ شَعرَ الأرض
وفقأتُ عينَ الأفق
لأعبرَ على صوتي إلى الرّيح
كنتُ بطراوة الهواء
وكنتُ بليونة الماء
لذلك لم أنتبه أنّي عبرتُ
وحين لم أتذكّر أنّي تذكّرتُ، نسيتُ.
****
ذات حانة:
ببساطة، هذه قصّتنا:
وكُنّا إذا مَشَيْنا على السّطر تَعِبْنا، وخرجَ من لهاثنا
حِبرٌ عظيم.
في بادئ الأمر، اعتَقَدْنا أنّنا تحت سماء مفخوتة
فأعطَيْنا أيدينا للغيوم وانتظرنا.
ثمّ اكتَشَفْنا، ونحن عائدون إلى انكفائنا الطويل، أنّ كلّ ما ربَّيْناه في السرّ خرج إلى العلن، والتهم الصّفحة، والشّارع، والسيّارة التي تدور في الشّارع، والكلمات التي تدور في السيّارة، والذّباب الذي يدور في الكلمات.
ثمّ حين قرَّرْنا الدّخول إلى الحانة، دَقَقْنا أصواتنا كمسامير على الباب، ودَخَلْنا. طَلَبنا كأساً. ما تيسّر من كلمات في جيوبنا، سَحَبْناها خلسة ودَسَسْناها في الكأس. نَقَعْناها حتّى استوتْ بالكامل. وحين جاء دورُنا، أخرَجْناها بخفّة وطَرْطَشْنا بها الحيطان حولنا،
وقلنا: مساء الخير.
****
بالرغم ليس دائماً:
هذا صمتي أقدّمه كلّ يوم على صحن المغيب.
في الهواء الفكرة نائمة على كتفها،
تقلب هنا هناك،
وراء في الوراء،
أمام ما أنا أمامه،
الآن تسألينني لا أردّ، لا تصل الكلمة إلى فمي.
تقريباً لا شيء،
فقط هواء يخرج من منخريّ ببطء،
بعض الطيور في السّماء تروح وتجيء
وغيومٌ صغيرة كسدّادات قطنية،
وضحكات بعيدة لأولاد قرب النّهر، ربّما،
فقط أحبّكِ بالرّغم ليس دائماً.
****
طابةُ مستديرة:
تحاولين أن تمسكيني من طرف، أنزلق من طرف
لا حيلة في يدي
هكذا خلقني الله، زلِقاً
ولا أعتقد أنّه سأل عنّي بعدها.
مسكين أنا، فقير
أبلعط في مكاني ولا يطلع منّي شيء،
وأغرق في نقطة ماء
بربّكِ، أليس أفضل من أن أغرق في بحر أو في محيط؟
ماذا؟
لا أسمعكِ، في أذنيّ الكثير من التراب
مذ وُلدتُ وخبطتُ على هذه السجّادة العتيقة التي تُدعى الأرض وتصاعد غبار كثيف،
ثمّ نهضتُ ونفضتُ حالي
معتقداً أنّها طابة مستديرة وأنّي سجّلتُ هدفاً بعدما ركلتُها ركلة قويّة لا تفهم وبالعلامة سمعتُ تصفيقاً.
****
عتمة
لوني غامق حتّى اللمعان
يداي مكتظّة بأصابعي
عنقي ممتدّ من الصّور العتيقة كزيتونة يابسة
تربتي رخوةُ، أنسلّ منها وأمسح الناس بخيط وحشتي الرفيع
وكآخر ظلّ فوق جسد الأرض، ألمع وحيداً في عتمتي.
****
السنوات
السنوات التي كبرتُ فيها ولم أنتبه، ما لي ولها؟
الهواء الذي يدور في الأرجاء، الحلم الذي يأخذ
ولا يرد: هذا ما يهمّ.
سنة تأتي سنة تروح، ككلّ شيء تقريباً.
تكتب الأيّام سطورها، سطراً سطراً، وعلى مهل.
السنة وراء الباب. أهرول لأجمع أوراقي القديمة.
وأضحك، رغم كلّ ما يجري حولي.
لِمَن أضحك؟ لأيّ كان.
لأيّ شيء؟ لأيّ شيء.
****
فوزي يمّين

شاعرٌ وأكاديمي لبنانيّ من مواليد زغرتا عام 1967. حاصل على دكتوراه في الشعر الحديث من قسم اللغة العربية وآدابها. وصدر له: المستلقي على طابقه الأرضي (شعر-1994)، الحياة بدون فلتر (شعر-1996)، توقفوا... أريد أن أنزل (شعر-2004)، كلاب العزلة (شعر-2007)، ألف وتاء طويلة (مقالات-2008)، تضعُ كرسياً أمام الباب وتنتظر لتأتي الطريق (شعر-2010)، كلاسيك (شعر-2011)، تمارين على تبديد الوقت (شعر-2013)، في انتظار الإنفجار الآتي (مقالات-2015)، التحولات في شعر أنسي الحاج (دراسة-2017)، في الوقت بين سيجارتين (شعر-2019).