الأحد 22 أيلول 2019 | 3:10 صباحاً بتوقيت دمشق
ياسر اسكيف

مراجعة الكتب الشعريّة: مجّانيّة وارتجال!

مراجعة الكتب الشعريّة: مجّانيّة وارتجال!
عبد الله الحسين، فنان سعودي (alhussainart.com).
  • الأربعاء 28 آب 2019

قد لا تكون المجّانيّة والارتجال هما الصفتان الأكثر دقّة لما سنذهب، أو سنحاول الذهاب إليه، ولكنّهما الأقرب إلى العفويّة التي نرغب أن تكون حقيقة وصفًا جائزًا للقراءات التي تقدّمها الصفحات الثقافيّة في الصحف والمجلّات والمواقع الإلكترونيّة ذات الصلة، للكتب الشعريّة غزيرة الانتشار، وليست صفات من قبيل الاستسهال، الاستغباء، النفعيّة، التكسّب، وغيرها.
فالمجّانيّة والارتجال لا تنطويان بالضرورة على سوء القصد شأن أقرانهما التي ذكرت والتي تنضوي على قصديّة تبعدها عن أيّة براءة أو سوء تقدير.
وفي البدء يجب التنويه إلى أنّ ما سيأتي في هذا المقال هو محاولة لنقاش وقراءة قراءات، أو مراجعات، لكتب شعريّة.
إنّه بطريقةٍ ما قراءة القراءة، أو مراجعة المراجعة، ولا يقصدُ أبدًا أو يسعى لتشكيل حكم قيّمة يخصّ مادة الكتب المقروءة.
إذ نرى أنّ أغلب تلك القراءات والمراجعات تستخفّ بعقل القارئ ومستواه الثقافي، وتقدّم نفسها بتعالٍ مسيء.
وإن كان من عذرٍ للمراجعات والعروض أحيانًا فهو خضوعها لشرط المساحة وبالتالي عدد الكلمات، وهذا يوقع المراجع أحيانًا بارتباك شديد ويمنعه من الوفاء بدور المراجعة، أو العرض، الذي يتجسّد بالإضاءة التي تضع القارئ في مناخ الكتاب، وليس في مناخ المعجم الثقافيّ للعارض.
وهذا ما أظنّه متعذّرًا حتى على المتمسّك بالموضوعيّة، فكيف بغيره. والإضاءة كما عنيناها تقتضي الابتعاد عن الانتقائيّة التي تفرضها الغرضيّة والنفعيّة.
ولأنّه من غير الممكن للعارض، أو المُراجع، والذي هو قارئ بالدرجة الأولى، إلا أن يكون صاحب موقف نقديّ جماليّ، أي لا يمكنه أن يكون محايدًا، وإنّما هو مُنتِج حكم قيّمة، فعليّة، أي هذا القارئ/العارض، أن يستخلص حجّته من النص المعروض وليس من "عنديّاته" التي تناسب أيّ نصّ.
أقصد خاتم المختار الذي يضعه على كلّ أنواع المعاملات من "فقر حال" إلى "حسن سلوك". أؤكّد من جديد بأنّه لا علاقة لنا هنا بتقييم المادّة الشعريّة موضوع القراءة، إنّما القراءة بحدّ ذاتها، ومدى توفّرها على أسباب الوجود كقراءة، وليس كتشاوف واستعلاء على النصّ حينًا وعلى قارئ القراءة أحيانًا.
وسأبدأ هذه المُخاطرة -نعم أحسبها مخاطرة- بالمراجعتين اللتين قام بهما الشاعرة والكاتبة السوريّة مناهل السهوي. والشاعر والكاتب السوريّ عماد الدين موسى، في صحيفة "العربي الجديد" لكتاب (مملكة آدم) آخر إصدارات الشاعر(أمجد ناصر) وتمّ نشر المراجعتين بتاريخيّ 27 أيار- مايو 2019 و1 تموز- يوليو 2019، معتذرًا سلفًا عن الإكثار من أقوال الكاتبين في مراجعتيهما.
(في مجموعتهِ الشعريّة "مملكة آدم" الصادرة حديثًا عن منشوراتِ المتوسّط/ إيطاليا يقدّم الشاعر أمجد ناصر مستوًى آخر للشّعر بوصفه حالةً كليّة، لَنَا أن نقدّم من خلالها عالمنا المريب.
الإيمان بالقصيدة ككائنٍ يتسرّب حولنا وفينا بخفّةٍ ووضوحٍ وكأنّه يقول فلتدع الكتابةَ تقودُ الحياة، معرفة الشّعر هي تخيّله حتى التّخمة، وهذا ما يفعله أمجد ناصر، يتخيل الشّعر، يرسم له عينان تشمّان وتسمعان، يرمي الحواس في طاحونة الحقيقة، لتمارس سطوةً أخرى، سطوة على الوجود القاسي.(الشعر بوصفه حالة كلّيّة) وهل كان يومًا حالة جزئيًة؟! أقصد الشعر وليس أيّ منحل صفة).
بهذه الصليَة تفتتح الكاتبة والشاعرة مناهل السهوي مراجعتها للكتاب دون دليل يوضّح ما ذهبت إليه، الأمر الذي يجعل القول مناسبًا لأيّ كتاب شعريّ. ثمّ تتابع، دون أن تُشبع فضولنا، الذي أثارهُ قولها، ولو ببرهانٍ صغير! أو بدليلٍ واهٍ (الكتابة عن شعر أمجد تبدأ في اللحظة التي تتوه في ذاتكَ، لكنّكَ تعرف هذا التيه، إنّها المعرفة الخام التي تنقلب شعرًا أو نثرًا أو سردًا أو روايةً) هل هي أحجيات عن التيه والمعرفة؟! أم أنّها الثقة بأنّ أحدًا لن يتوقّف عند هذا الكلام ليسأله عن قصده غير الواضح، وربّما غير الموجود؟!
ثمّ تتابع آخذةً بنا إلى تيهها العجيب وخلاصاتها التي تحتاج إلى أكثر من معجم صحراويّ وزراعيّ لنتبيّن جوهرها.
وهنا لا بدّ من سؤال الكاتبة، إن أمكننا التغاضي عن الركاكة في الجملة الطويلة الأولى، هل أنّ المعجم الصحراويّ هو المُقابل للقصيدة الحديثة، وما طبيعة هذا التقابل العجيب بين معجم وقصيدة، إذا كان الأمر يخصّ عملًا إبداعيًّا خارقًا للنوع، كما تحاول الكاتبة أن تخبرنا؟!!! (يتابع أمجد في مجموعته الجديدة بناء القصيدةِ التي أسسّها باكرًا نحو عمقٍ آخر يحتوي القصيدة العربيّة الحديثة، مازجًا المعجم الصحراويّ بالقصيدة الحديثة، مستندًا على حقيقةِ وصدقِ ما يريده ليشكّل قصيدة الآخر والجميع، متكئًا على السرد في بعض الأحيان وعلى الانتقال بين طبقاتِ الجحيم أحيانًا) وهنا لن نتوقّف جديًّا عند مصطلح (قصيدة الآخر والجميع!!!!!!!!) التي يستند الشاعر في تشكيلها على (حقيقة وصدق ما يريده!!!!!!!) ولكنّنا بالتأكيد لن نمتنع عن سؤال القول السابق إن كان هناك أي نوع من القرابة، وبالتالي إمكانيّة قيامها بتبادل الأدوار والمواقع بين السرد (قيمةً فنيّةً أسلوبيّة) والانتقال بين طبقات الجحيم (قيمةً شعوريّة) وربّما يزيل القول التالي: (كيف يمكن وصف الجحيم بشاعريّة؟) الكثير من إشارات الاستفهام؛ إذ تبدو الشاعريّة مختصّة بالهواء العليل والماء البارد فحسب !!! أي إنّها مصطلح يمكننا أن نرمي به أينما ووقتما نشاء. وأمر الرمي هذا يتعلق برغبتنا وليس بأيّ شيء آخر، والدليل على هذا قول الكاتبة: (يخلق أمجد الشّعرَ في النثر والسرد والرواية وكأنَّ شعريّته هي الخيط الواصل بين كلّ جوانب الحياة) فالذي يجمع بين النثر والسرد والرواية كأنواع لشيء لا يخبرنا ما هو إنّما هو شخص يتعالى علينا ونرجوه التواضع.
أرجو من القرّاء -إن رمى حسن الطالع قارئًا على ما كتبناه- أن يعودوا إلى المواد التي كنّا بصدد قراءتها في مواقعها الأصليّة وتشكيل انطباع كامل عن القراءة وقراءة القراءة، أو المراجعة ومراجعتها.
وكأنّما المصادفة الحسنة قد جعلت الكاتب عماد الدين موسى يبدأ من حيث أنهينا قراءتنا السابقة، مؤكّدًا هو الآخر على صعوبة تصنيف (شعريّة!!!) وليس (نصّ) أو (قصيدة) مع أنّه يبدأ قوله متحدّثًا عن (قصيدة) ومعتبرًا أنّ الشعريّة وسطوتها كامنتان في (جنبات!!) هذه القصيدة إذ يقول: (تبدو قصيدة الشاعر أمجد ناصر (1955) عبارة عن مزيج جماليّ حميم، أدبيّ وفنّي. قصيدة شديدة الغنى والتنوّع من جهة، ومن جهةٍ أخرى نجدها غايةً في الخصوصيّة، مبنى ومعنى؛ إذْ تأخذ من معظم الفنون الإبداعيّة، من مسرح ورواية وقصّة وغيرها، دونَ أنْ تفقد سطوة الشِعريّة الكامنة بين جنباتها.
شِعريّة أمجد، المُتدرجّة من عالم الوزنِ، إلى فسحة النثر، شِعريّة مُتحرّرة من أَسْرِ "النمذجة" بحيث يصعب تصنيفها أو إدراجها في خانةٍ كتابيّة معيّنة).
وبعد قراءة المقطع السابق لا بدّ من التساؤل هل الغنى والتنوّع يمنع الخصوصيّة؟!!! أم القصد بالغنى والتنوّع هنا لا يتعلّق بالشعرّية التي يتغنّى بها الكاتب كما يبدو، إنّما بالأخذ من معظم الفنون؟ وكيف أمكن للكاتب أن يسمّي (قصيدة) ما يؤكد هو ذاته بأنها متحرّرة من أسر (النمذجة) والإدراج في خانة كتابيّة معيّنة؟!!
لكن الكاتب، الذي كان يتحدّث عن قصيدة ناصر بشكل عام، بما في ذلك قصائد (مملكة آدم) إذ أنّه لم يستثنها صراحةً، يفاجئنا بأنّ لهذا الكتاب خصوصيّة لا تتعلّق بالمبنى والمعنى السابق ذكرهما، إنّما تتأتّى عن عامل خارجيّ لا أدبي ولا فنّي، يعطي للشاعر أريحيّة أكبر في الكتابة: (إذْ ثمّة هنا، هامش من الحريّةِ في البوح الشفيفِ، طالما أنّه يتناول عالمًا لم يعد غريبًا أو سرّيًّا في زمن الدم والموت المجانيّ) وبالتالي جاء هذا الكتاب (مُغايرًا عن أعمالهِ الشِعريّة السابقة) حيث تميّز بلغةٍ سلسةٍ كانت اللافت فيه: (ولعلّ اللافت في هذا الكتاب تلك اللغة الشِعريّة السلسة) وهنا لا بدّ من السؤال عن نقيض السلاسة الذي يشكّل حكم قيّمة يخصّ أعمال ناصر السابقة.
وهل على قارئ مراجعة عماد الدين أن يمنع كلّ ما قاله عن قصيدة ناصر في اقتباسنا الأسبق عمّا جاء في هذا الكتاب، وأخصّ أحكام القيمة التي تعلي من شأن تجربة ناصر الشعريّة؟!!
(تتداخلُ الأصوات في "مملكة آدم" تداخلًا هارمونيًّا، فنجد أنّ هذه الأصوات قد تعلو أو تخفت تبعًا للحالة أو الدفقة الشعوريّة، وهو ما ينسحب على الجُملة أو العبارة أيضًا، والتي بدورها تطول أو تقصر) يقول الكاتب. ونسأل هل من عامل مؤثّر آخر غير الحالة أو الدفقة الشعوريّة، يمكنه أن يفعل ذلك؟! أي يمكنه أن يُعلي ويخفض النبرة، وبالتالي يُطيل الزمن أو يقصّره؟! وهل كان هذا التداخل للأصوات غائبًا عن أعمال ناصر السابقة ليعطي وجوده هنا قيمة إيجابيّة؟! بالتأكيد لا، إذ يمكننا الإجابة ونحن نستعيد قول الكاتب بأنّ قصيدة ناصر هي (مزيج جماليّ حميم؛ إذ تأخذ من معظم الفنون الإبداعيّة) وبالتالي هي مزيج من الأصوات، إلا إذا كان يقصد بالأصوات هنا معناها الفيزيائيّ المجرّد، أي الموجات الصوتيّة التي ينقلها الأثير!! أخيرًا؛ لا بدّ من التنويه بأنّ الكاتبين حينما انتقلا من التنظير للشعر بشكلٍ عام، على أنّ تجربة أمجد ناصر نموذج مناسب للقول، وبدءًا بالحديث عن موضوع الكتاب ظهرا شارحين سعيدين، واتفقا على تثبيت ذات المقطع كدليل وبرهان على ما ذهبا إليه (عالِجوني بروحِ الخردل والأياهوسكا والداتورة، بالسذّاب السوري والحِداءِ الذي يشبهُ بكاءَ الجِمال لأصعد إلى السماء الخامسة حيثُ قَدَمُ اللهِ المتشعّبةُ تغسلُهَا النوايا الطَّيِّبةُ وأيدي الحورِ العِين).