الأحد 22 أيلول 2019 | 2:20 صباحاً بتوقيت دمشق
إبراهيم حسو

"خارج الحديقة، داخل السور": الحياة بكاملها تحضر وتغيب!

الشاعر وغلاف مجموعته
  • الأثنين 26 آب 2019

تشكّل مجموعة الشاعر السّوري عبد القادر موسى (خارج الحديقة، داخل السور) "دار الدراويش- 2019 بلغاريا"  بمقاطعها القصيرة والطويلة كنموذجٍ مصغّر عن "شعريّة التسعينات في سوريا".
إنها تجربة جيل كامل ظهر في حلب والجزيرة و استمرّت حتى نهاية التسعينات، حيث برز ذلك الشرخ العظيم بين القصيدة الشفويّة وقصيدة التفعيلة بنصوصهما المتباينة، هذا "الشرخ" وصل إلى جيل الألفيّة ليعزّز فيها مفاهيم جديدة وتصوّرات مختلفة في الأشكال الشعريّة التي رافقت قصيدة النثر السورية فكانت قصيدة "نثريّة الوقائع اليوميّة" التي خلقت مساحات وفضاءات تعبيريّة هائلة، وشغلت اللغة في قدراتها واحتمالاتها وأيضًا في إفرازاتها في تكوين تصوّرات جديدة للذاكرة الشعريّة و ملحقاتها، ولعلّ ما يضاف إلى هذه الحقبة هو خروج نماذج شعريّة متنافسة تعاملت مع اللغة بقدراتها التعبيريّة وبالأخصّ الكلمة الواحدة أو المفردة ذات المدلولات الإيحائيّة التي تختزن في باطنها إيقاعات وتناغمات لغويّة واسعة وتستدعي جملة تساؤلات حول إعادة الكلمة إلى معناها المراد للوصول إليها.
وبالعودة إلى ديوان عبد القادر موسى، الذين بين يدينا، لا نكتشف تقنيات تعبيريّة بقدر ما نعثر على تلك التفاصيل الحياتيّة اليوميّة ولا نلمس تلك الرؤية المشهديّة بقدر ما نشعر بالصّور التي تتلاحق في عجلةٍ وكثافة محتدمة، ليضيف الشاعر هوامشَ وملحقات على النصوص الطويلة.
يعرف الشاعر أنّه يكتب من الحياة للحياة دون إيعاز لغويّ أو بلاغة عظيمة، دون شرح ودون استفاضة وبهرجة جماليّة، هي كتابة الناظر من فوق تلّة، يرى الوادي بعيونٍ واثقة وصارمة وهادئة، ويمكن القول ثرثرة لطيفة على طرفيّ القصيدة، ثرثرة طائلة لتفصيلاتٍ مفتوحة على الكون، على شكل تصوّرات ذهنيّة وقفزات تعبيريّة تقترب من الوقائع الحياتيّة المباشرة دون ترف وترويض لغويّ:
"أنتَ
كلّ الأشكالِ أنتَ!
ولا شكل يحتويكَ إلاي
كلّ الجهات أنت
لا جهة لخطاكَ العنيدة
ولا تائه فيك
سواي
ها أنا التائه
أتلعثم بقامةٍ من المشاكسات
والجّهة تكاد الشمال
الشمال
الذي ينتف كلّ ريش
ولا يهبّ زغبًا لطفولةٍ مصابةٍ بالعراكات
تعيدني إليّ الطفولة
كما يُعاد الغريب إلى غربته".
لا يوجد في نص موسى أمكنة محددة ولا أزمنة متنقّلة، هناك حياة تجري على قدمٍ وساق رغم أنّ أغلب النصوص مكتوبة في أوقاتٍ متباعدة ومختلفة.
الحياة بكاملها تحضر وتغيب فجأة كمن يستعير المشاهد من الماضي والمستقبل معًا، ماضٍ مستمر وحيّ، يشبه حاضرنا الحقيقيّ بكلّ كوارثه وصدماته وسط انحلال اللغة وتداعيها وخلف كثافةٍ سرديّةٍ تربط النثريّ بكامله مع الشعري في محتواهما الدلاليّ، فثمّة الكثير من الكلام يقابله الكثير من الرويّ للحكايات العابرة المسلّية لنصٍّ لا يتجاوز حدّه ولا يخطو حدود الفكرة الواحدة، الفكرة التي يتناقلها الرواة في مداولاتهم السرديّة وقرائنهم المتخيّلة بخيالات الرواية رغم الكثافة التي تسير خارج سياقات المعنى، خارج سلطة الشعر وداخله معًا:
"تبين
كما الموت ينزع الألوان
كلّما وقفت مكتوف القلب
جثّتي،
هي ذي الصامتة أخيرًا
والذي تراه ظلّ امرأةٍ في قمّة الأنين
جثّتي التي تركض إلى الظلّ".
ويبدو أنّ الوضوح والتفسيرات سمتان من سمات كتابة الشاعر هذه، بالإضافة إلى خاصّية الحوار الهادئ والغامض بين المفردات نفسها في لغةٍ خطابيّة أقرب ما تكون إلى الهذر اللغوي الحلو والثرثرة الشعريّة التي تبقي على المعنى وتوجهه إلى كماله، ولا أعني الثرثرة هنا إهانة المعنى أو تسفيهه، فالشعر يقبل بكل محرّضات الكلام ويحتكم بفتنة المفردة واختزالها القاموسيّ، ما يدعوه عبد القادر هو توسيع اللغة وتجريدها من سياقاتها المعروفة وجعلها علائق لفظيّة وشبكات بنائيّة لا غير:
"ها أنا القمّة
أحرس سهولي مموَّهًا بالأشواك الطريّة
والضباب الأعمى
بأغصان مشدودة كقبضةٍ
أرشق أبواب مدينةٍ غريبة بأغانٍ غريبة
لا شيء ينصت إلى إلاي
لا شيء يدفن السر إلا قلبًا وسط اللهاث".
يشار إلى أن الشاعر عبد القادر موسى، مترجم وخبير في مجال اللجوء والهجرة. درس اللغة الفرنسيّة وآدابها في جامعة حلب السوريّة والإرشاد الاجتماعيّ التربويّ في معهد "أليس سالومون" العالي في برلين الألمانيّة. وحصل على منحة عمل للآداب من إدارة ﻣﺠﻠﺲ ﺍﻟﺸﻴﻮﺥ للشؤون اﻠﺜﻘﺎﻓية ﻭالأﻭﺭﻭﺑيّة في برلين لعام 2018، ترجم شعره إلى الإنكليزيّة والألمانيّة والفرنسيّة والإسبانيّة والبولونيّة، ونشر في المجلات والأنطولوجيات الأدبيّة في دولٍ مختلفة.
كما شارك في العديد من ورشات العمل في مجال الشعر والترجمة في مهرجانات الشعر العالميّة أعماله: "أجنحتك علمتني الطيران" أنتولوجيا أصوات شعريّة من روجافا، باللغتين الكرديّة والإنكليزيّة.